|
|
|
|
02 / 06 / 2009 |
|
الخوري اسكندر الهاشم
لسنا عند القمم والمنحدرات والسهول سوى منارات يضعنا الله أمام الأخرين لنضيء على همومهم، ونحمل آلام بعضنا في عملية وحدة عضوية تجمع البشرية وتوحد فيما بينها. الصحافة كما الصحافي عند حد فاصل بين الحقيقة والباطل، وهو كما هي ينضح بما فيه من قيم واخلاق وعلم، وبنير ذلك يتحوّل الصحافي مأجوراً وموظفاً يطلب معاشه من جريدته، وان عجزت عن تلبية طلبه، ينتهي المطاف به الى باب زعيم او متموّل او سفارة
ليعوّض ما خسره من مال يسد به رمقه وشراء حاجاته ودفع اجر منزله ووقود سيارته. الصحافي ليس ناقلاً او شاهداً عديم الأحساس والشعور. إنه صاحب قلم يعرض من خلاله، حقائق منظورة او خفية، ويستعرض احداثاً، بل يؤرخ لحالة سياسية واجتماعية وانسانية عبر ما يكتبه ويسطره في دفاتره واوراق جديدة. نحن نعرف الأندهاش ونعرف الثورة، نتحرك كل يوم على وقع احداث تتوالى وتتعاقب امامنا، ونحن فيها وحولها وعلينا دائماً واجب الحقيقة ولو كانت نسبية ومحرجة. لقد اخترنا المهنة وما فيها من مخاطر ومطبات، فان من اولى واجباتنا إيقاظ الضمائر وكشف مواطن الأذى، وعلينا ان نخفف قلق القلقين حتى ولو لم نكن قديسين. إن عندنا اخلاقيات الصحافة واخلاقيات الانسان المتجذر في انسانيته، العارف مسبقاً ان جراح البشرية وهمومها هي جراحنا، وان صورنا ومشاهداتنا وانطباعتنا التي نكتب عنها، تحمل رمز الانسانية وغنى هذه الاخلاقيات. وحين نضع الأحداث في مكاتها وزمانها وحجمها، غير مكترثين بالمستغلين والناقمين والفاسدين والمجرمين، فأننا بذلك نعطي صورة وصدى عن واقع حقيقي وصورة موضوعية، وعلينا اذ نجد دائماً هذه المسافة التي نتموضع عندها فلا نتعدى حدودها ولا نخلط بين العام والشخصي، وعلى كتاباتنا ملامسة الهم والجراح والا تبقى مواقف نصح، ودون ان نضع قناعاً على الحقائق المرة تبقى الاخلاقية الصحفية فينا ملتزمة بأن نبقي بين سطورنا مساحة تأمل للقارىء، واذا ما جنحت بنا عواطفنا والتزاماتنا ونحن بشر نخطىء ونصيب، فأن الصحافي يبقى يقظاً في نقله الأحداث دون ان يحمل أكثر مما هي عليه من ابعاد ومرامي، لأن موقفنا واعطاء رأينا يعكس ما تطلبه الفكرة الواحدة والموقف الواحد والتوجه الأحادي. القناعات هنا لها مستوى اخر لأنها مزروعة في أعماق اعماقنا، والكتابة الحقيقية والتي يدوم فعلها وصداها هي تلك التي تعبر عن قيمنا الحقيقية، لكن ذلك لا يعني فرز ما يحصل بغية ابرازه وتضخيمه ورش الملح فوقه كي لا نتركه ينزل في الصمت والأقاويل قلمنا يتكلم دوماً بألسنة كثيرين لا يقدرون البوح عن مكامن ازماتهم وصعوباتهم، ولا طير ان ترافقت كتاباتنا بمضامين فكرية وتأملية. لا نريد ان يتحول الإعلام الى هتك للحقيقة، وتغيير في الأحداث او التعمية عليها، لأن الوضوح في كتاباتنا له مخاطره ومطباته، أقلها ترك القارىء في حيرة من أمره وكل كلام يضع العامة امام خيارات مبهمة فأنه يساعد بصورة غير مباشرة على زعزعة الروابط الإنسانية والإجتماعية، ويخلق البلبلة التي هي بداية الأزمات والمحن. على الصحافي ان يبقى شفافاً من خلال كتاباته وتحليلاته وهذا العمل المضني يطلع من قناعة داخلية، لهذا يشبّه الصحافي بالشاعر والفنان، لأن نظره لا يقل صفاء وتأملاً وتحليلاً عن ابيات شعرية تأخذك الى عالم الجمال والفن وتبرز واقعك المضنوك والمأزوم واقعاً أقل تشاؤماً وسواداً. إن مقالك لا يختم النقاش انما يطلقه ويوسعه، ويحيط به من كل جانب فيبرز وجهه من النواحي المختلفة ويصبح الحل ايسر وأسهل. يفتح الصحافي الأبواب والضمائر، وطرحه للمسائل من زاويته الفكرية الرحبة يفتح على اطلالات الرجاء، إن المهنة الصحافية متعددة المواهب والجوانب، وفي عالمنا الصعب حيث تعمل الدول ويعمل الأفراد بطريقة سرية ومبطنة ولأن الصمت غير أخلاقي أصبح من الواجب ان نكشف الضوء وان نكتب بدم القلب ومداء الفكر وروح العصامية، كي لا تتحول كتاباتنا سمً زعافاً يزيد في البلبلة ويعمق الجراح. علينا ايقاظ النفوس لكي تبحث جميعها عن حلول، واذا لم تكن طرقاتنا تصل بنا الى الرجاءات حيث يأخذ الأنسان بلجام قدره، فما معنى اخلاقياتنا اذاً ؟ وما الغاية من اقلامنا وكتاباتنا؟ |
|
|
|
|
|
| |
|
|