الإعلام والإعلان والدعاية في الانتخابات
02 / 06 / 2009

عادل بطرس
Imageفي ضوء أحكام قانون الانتخابات النيابية الرقم 25/2008
كلنا يعلم ان النظام السياسي في لبنان هو النظام الديمقراطي، وهذا يعني باختصار، حكم الشعب لنفسه. وبالنظر لتعذر جمع الشعب كله في آن واحد ليدير شؤونه، فقد اعتمدت الأنظمة الديمقراطية وسيلة تمثيلية هي انتخاب ممثلين للشعب يشكلون ما يسمى بالبرلمان، أو المجلس النيابي، ومن هناك ينطلق العمل الديمقراطي.

ولما كان من المسلم به ان يكون التمثيل صحيحاً وصادقاً كي يأتي الحكم مطابقاً لحقيقة إرادة الشعب، كان لا بد من وضع قانون يلحظ الشروط والإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك. وأول الشروط والضمانات هي تكافؤ الفرص بين المرشحين في تواصلهم مع المقترعين، ليأتي التمثيل أقرب ما يكون إلى الصحة والصدق، وعدم تعرض وسائل التواصل إلى التشويش.
ومن العودة إلى قوانين الانتخاب في لبنان، نراها كلها عالجت هذه المسائل بالنسبة إلى الظروف التي كانت سائدة كل في حينه.
ومن أجل فهم الموضوع في ظل التشريع السائد حالياً، نرى من المفيد ان نعود قليلاً في الزمن لنستعرض بسرعة ما كانت عليه الأحوال في السابق، منطلقين من قانون سنة 1960 (الصادر في 26/4/1960)، باعتباره المعتمد قياساً للقانون السائد حالياً. 

الفترة السابقة للقانون الحالي
عالج المشترع اللبناني "الموضوع الإعلامي الانتخابي" (ونقصد بذلك الإعلام والإعلان والدعاية) في قانون 1960، بما كان يتناسب ووسائل النشر والإعلام المتواضعة السائدة في حينه، ولم تكن الإذاعة والتلفزة قد انتشرت بعد، بحيث ضمنه (في المادة 62 منه) ما يلزم السلطة الإدارية في كل مدينة أو مكان جامع، بأن تعين أماكن خاصة لإلصاق الإعلانات الانتخابية طيلة مدة الانتخاب، وتمنع اليافطات في عرض الشارع (ويظهر من ذلك أن كل ما كان وارداً في ذهن المشترع آنذاك، كانت الملصقات واليافطات). كما حظرت المادة 63 منه على موظفي الدولة والبلديات والمختارين، توزيع أوراق اقتراع أو مخطوطات أو نشرات لمصلحة احد المرشحين أو ضده...، وحظرت المادة 64 منه توزيع أيّة نشرة أو مخطوطة يوم الانتخاب لصالح أو ضد أي مرشح تحت طائلة الغرامة. وبقيت هذه الأمور منصوصاً عنها في ما تلاه من قوانين انتخاب.
ثم، عندما أصدر المشترع قانون الانتخابات النيابية بعد الأحداث، أي سنة 1992، وكانت الإذاعة والتلفزة قد انتشرت كأمر واقع، ودون ترخيص، وقبل صدور أي قانون ينظم عمل وسائل الإعلام التلفزيونية والإذاعية الخاصة، ضمّنه مادة هي المادة 68، حظر فيها التعاطي بالإعلان والإعلام الانتخابي السياسي على جميع وسائـل الإعلام المرئية والمسموعة، وكذلك على المكتوبة غير السياسية، وذلك من تاريخ دعوة الهيئات الانتخابية حتى إجراء الانتخابات وإعلان النتائج النهائية، تحت طائلة التعطيل والإقفال التام بقرار يصدر عن محكمة المطبوعات في غرفة المذاكرة، مع السماح بالتعاطي بالموقف السياسي فقط.
والحظر هذا على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة مرده كونها لم تكن مرخصة في حينه.هي مرعية بقانون ينظمها، أما حظر ذلك على "وسائل الإعلام المكتوبة غير السياسية" (والمقصود هي المطبوعات الصحفية غير السياسية) مرده انه محظر عليها أساساً ان تحتوي على مواد إعلامية سياسية بموجب أحكام قانون المطبوعات.
ثم جاء القانون رقم 530 تاريخ 11/7/1996 معدلاً بعض نصوص قانـون الانتخاب السابق، ومنها نص المادة 68، حاصراً الحظر بالإعلان الانتخابي السياسي على الوسائل ذاتها، وتحت الطائلة ذاتها، سامحاً بالإعلام الانتخابي السياسي فقط، وبالرغم من ان قانون البث التلفزيوني والإذاعي كان قد صدر سنة 1994، ولكن دون تحديد مفهوم الإعلام ولا الإعلان.
ثم جاء القانون رقم 171/2000 تاريخ 6/1/2000، يعدل بعض أحكام قانون الانتخاب، مؤكداً على نص المادة 68 المنوه عنها أعلاه، أي "حظر الإعلان الانتخابي السياسي على جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وكذلك المكتوبة غير السياسية، تحت طائلة الإقفال التام بقرار يصدر عن محكمة المطبوعات في غرفة المذاكرة"، وذلك خلال الفترة ذاتها.
هذه النصوص كلها، وخاصة نص المادة 68 من قانون الانتخاب رقم (171/2000)، تضمنت أحكاماً خطرة للغاية من حيث النتائج، إذ إنها كانت تؤدي إلى إلغاء الوسيلة الإعلامية (وقد أدت)، والى إلغاء النيابة (وقد أدت في إحدى الحالات إلى هذه النتيجة أيضاً).
وبعد ذلك، جاء مشروع قانون وضعته وزارة الداخلية لانتخابات سنة 2005 تعدل المادة 68 من القانون السابق، لتنص على حظر "الإعلام والإعلان الانتخابيين خلال الحملة الانتخابية" على "وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، والمكتوبة غير السياسية". أي ان المشترع هنا كان يرمي إلى إبقاء الإعلام والإعلان الانتخابي مسموحاً به في المطبوعات السياسية فقط، ودوماً دون ان يحدد مفهوم "الإعلام" و "الإعلان" "الانتخابيين".
ثم حصل اغتيال الرئيس رفيق الحريري ما حال دون مناقشة مشروع قانون وزارة الداخلية هذا، فبقي قانون الانتخاب السابق سائداً، وجرت الانتخابات في ظل أحكامه. ثم صدر بعد الانتخابات القانون رقم 694 تاريخ 24/8/2005 معدلاً بعض أحكام المادة 68 المنوه عنها، مع إبقاء الحظر على الإعلام والإعلان الانتخابي السياسي على ما كان عليه !
ثم جاء مشروع القانون الذي أعدته "اللجنة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات النيابية" (التي عرفت باسم رئيسها الوزير السابق الأستاذ فؤاد بطرس) ينظم "الإعلان الانتخابي" المدفوع الأجر تاركاً موضوع "الإعلام"، بما فيه عملية استطلاع الرأي، لهيئة الإشراف.

 الإعلام والإعلان والدعاية الانتخابية في ظل أحكام القانون السائد رقم 25/2008 
هذا القانون، الذي صدر بتاريخ 8/10/2008، أخذ ببعض ما ورد في مشروع قانون "اللجنة الوطنية...." الآنفة الذكر، وأفرد للموضوع الذي نحن في صدده فصلاً كاملاً، هو الفصل السادس، ومن المادة 63 إلى المادة 77 منه.
وبالمناسبة نشير إلى انه في حين لم تقدم لنا قوانين الانتخاب السابقة أي تعريف يميز بين "الإعلام" و "الإعلان" (بمناسبة الانتخابات طبعاً)، قام بذلك، اجتهاداً، القضاء، حيث نطالع في الحكم الصادر عن محكمة المطبوعات في قضية الـ M.T.V. ما حرفيته: 
الإعلان السياسي الانتخابي هو "الإعلان الذي يكون غرضه الترويج للعملية الانتخابية لأجل نشر رأي سياسي معين، أو إحداث آثار معينة في موقف الناخب وحمله على الانتخاب في اتجاه معين، أو ثنيه عن الانتخاب في اتجاه آخر".
كما ان المجلس الدستوري الذي نظر طعناً في الانتخابات الفرعية التي حصلت (ونجمت عنها قضية الـ M.T.V.) أعطى رأياً قريباً جداً من رأي محكمة المطبوعات، إلا انه أضاف "ان إلغاء الانتخاب ليس نتيجة حتمية لاستعمال الإعلان الانتخابي السياسي، إنما تتوقف هذه النتيجة على مدى تأثير هذا الإعلان على ضمائر الناخبين".
فماذا فعل بالتحديد القانون الحالي (رقم 25/2008) يا ترى ؟
- شمل القانون المذكور الإعلام والدعاية والإعلان الانتخابي أياً كانت وسيلة الإعلام المستعملة، دون ان يستثني الإعلام المطبوع غير السياسي، كما كانت عليه الحال قبلاً، ولم يميز بين هذه الوسائل إلا بما يختص بالاختلاف التقني بينها في عملية النشر. 
-كما عرّف "المواد الانتخابية" من إعلام ودعاية وإعلان كما يلي حرفياً:
"أ- الإعلام الانتخابي:
كل مادة إعلامية كالأخبار والتحاليل والتصاريح والمقابلات والمناظرات والحوارات والتحقيقات والمؤتمرات الصحفية واللقاءات، تتعلق بالانتخابات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويجري بثها دون مقابل ضمن البرامج العادية أو الاستثنائية لمؤسسة إعلامية.
ب- الدعاية الانتخابية:
كل مادة تتعلق ببرامج الجهات المرشحة وحملاتها الانتخابية ومواقفها الانتخابية والسياسية، وتكون مسجلة في استديوهات مؤسسة الإعلام أو خارجها، وترغب الجهة المرشحة ان تتوجه بها إلى الناخبين عبر بثها لحسابها الخاص ضمن برامج مؤسسات الإعلام المخصصة لتلك الغاية ومقابل بدل مادي.
ج- الإعلان الانتخابي:
كل نشرة ترويجية لجهة مرشحة يتم بثها مقابل بدل مالي ضمن الوقفات المخصصة للإعلانات التجارية لدى مؤسسة الإعلام.
د- المواد الانتخابية:
هي الإعلام الانتخابي والدعاية الانتخابية والإعلان الانتخابي".

وأخضع كلاً منها، بما فيه نشر استطلاعات الرأي، لأحكام خاصة أهمها ما يلي:

الشروط التنظيمية
 
أولاً: أخضع القانون المواد الانتخابية (إعلام ودعاية وإعلان) أثناء فترة الحملة الانتخابية التي تبدأ من تاريخ تقديم الترشيح وتنتهي لدى إقفال صناديق الاقتراع لأحكام الفصل السادس من هذا القانون. ونذكر هنا ان مشاريع قوانين سابقة اقترحت كنهاية لفترة الحملة الانتخابية "اقفال صناديق الاقتراع وإعلان النتائج النهائية"، ذلك ان بين إقفال الصناديق وإعلان النتائج قد يقدم مرشح ما على بعض الممارسات المنوه عنها بما من شأنه ان يشكل "ضغطاً" على لجان الفرز. (وقد ادعي ذلك سابقاً).

ثانياً: أفسح في المجال لجميع وسائل الإعلام الرسمي والخاص في تعاطي "الدعاية والإعلان الانتخابي المدفوع الأجر" مخضعاً إياها لموجبات أهمها
1- تقديم تصريح قبل "عشرة أيّام على الأقل من بداية فترة الحملة الانتخابية" تعرب فيه عن رغبتها في المشاركة، مرفقاً بلائحة أسعارها والمساحات التي ترغب في تخصيصها للدعاية والإعلان الانتخابي. (وكان الأجدى اعتماد تاريخ آخر لهذه المهلة التي سبق للقانون ان حددها في المادة 65 منه بتاريخ تقديم الترشيح، لان لكل مرشح تاريخ تقديم لترشيحه مختلف عن غيره. فأيها يعتمد؟).
ويمنع هذا النشاط على وسائل الإعلام التي تتخلف عن التقدم بهذا التصريح.
2- التزام وسيلة الإعلام بالأسعار المقدمة منها، ولا يحق لها رفض أي إعلان انتخابي لمرشح يلتزم بها.
3- التزام وسائل الإعلام المنوه عنها لدى بثها الإعلانات، بتوضيح يبين ان هذه مدفوعة الأجر، وتحدد الجهة التي طلبت بثها (وذلك من أجل مراقبة الانفاق وتحديد المسؤوليات).
4- امتناع وسائل الإعلام عن قبول إعلانات مجانية أو بأسعار تختلف عما هو محدد في لائحة أسعارها المقدمة.
5- التزام الجهة المرشحة بتسليم نسخة عن أشرطة الدعاية والإعلان الانتخابيين المخصصين للبث إلى كل من هيئة الإشراف ومؤسسات الإعلام، وذلك قبل ثلاثة أيّام على الأقل من التاريخ المحدد لأول بث لها.
6- التزام كل مؤسسة إعلام بتقديم تقرير أسبوعي إلى الهيئة عما تكون قد بثته في الأسبوع المنصرم، مع بيان مواقيت البث والبدل المستوفى.
7- التزام كل مؤسسة إعلام بعدم جواز تخصيص أي جهة مرشحة أكثر من 50% من مجمل إنفاقها الدعائي أو الإعلاني، بالنسبة لكل فئة من فئات وسائل الإعلام.
8- على كل وسيلة إعلامية ترغب في تغطية عمليات الاقتراع والفرز ان تستحصل من الهيئة على تصاريح خطية لهذا الغرض (والغاية من ذلك بالطبع الحؤول دون "فوضى" مضرة أثناء هذه العمليات).

سلوكيات وسائل الإعلام 
أوجب القانون على وسائل الإعلام أثناء تعاطيها المواد الإعلامية والإعلانية والدعائية التقيد بما يلي، حرصاً على مبدأ تكافؤ الفرص من جهة، وحماية لحرية تكوين القناعة الاقتراعية لدى المواطن.
1-   يلتزم الإعلام الرسمي موقف الحياد في جميع مراحل العملية الانتخابية. (هذا الحياد مفترض، كما سوف نرى، لدى الإعلام الخاص أيضاً بموجب القوانين التي ترعاه).
2-   على جميع وسائل الإعلام احترام حرية التعبير عن مختلف الآراء والتيارات الفكرية في برامجها أياً كانت، بما يضمن تأمين العدالة والتوازن والحياد في المعاملة بين المرشحين واللوائح.
وهذا المبدأ مكرس أساساً في قوانين البث رقم 353/94 و 382/94 حتى خارج نطاق الحملات الانتخابية، ولكن التقيد به غير محترم، والمحاسبة عليه مفقودة.
3-   لا يجوز لأي من وسائل الإعلام الخاص المرئي والمسموع (أي التلفزيون والإذاعة) إعلان تأييدها وترويجها لأي مرشح أو لائحة (علماً بأن شيئاً من ذلك يحصل).
وقد أوجب القانون على هذه الوسائل خلال الحملة التفريق الواضح بين الواقع والحقائق من جهة، والآراء والتعليقات من جهة أخرى في مختلف نشراتها الإخبارية. (هذا الموجب لم يرتبه القانون على وسائل الإعلام الأخرى !؟).
4-   أوجب القانون على وسائل الإعلام المرئي والمسموع وعلى اللوائح والمرشحين:
أ-الامتناع عن التشهير أو القدح أو الذم وعن التجريح بأي من اللوائح أو المرشحين.
(التشهير والتجريح غير منصوص عنهما في قانون العقوبات أو المطبوعات أو أي قانون آخر يتضمن أحكاماً جزائية، وغير محددة عناصرهما، وغير منصوص لهما على عقوبة. وفي هذه الحال سوف يطبق بشأنها ما هو منصوص عليه في صلاحيات هيئة الإشراف).
ب-  الامتناع عن بث ما من شأنه ان يشكل وسيلة ضغط أو تخويف أو تخوين أو تكفير أو تلويح بالمغريات أو وعد بمكاسب مادية أو معنوية. 
وكذلك الامتناع عن بث ما يتضمن إثارة للنعرات الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو التحريض على ارتكاب أعمال العنف أو الشغب أو التأييد للإرهاب أو الجريمة أو الأعمال التخريبية.
(هنا تعابير قد يكون على القضاء (وله) المهمة الكبرى في التدخل في تحديدها اجتهاداً).
ج- الامتناع عن تحريف المعلومات أو حجبها أو تزييفها أو حذفها أو إساءة عرضها.
وقد أضاف القانون موجباً رتبه على عاتق الهيئة في تأمين التوازن بين المرشحين (أفراداً ولوائح) في ظهورهم الإعلامي. كما أضاف موجباً على وسائل الإعلام المرئي والمسموع، خلال فترة الحملة الانتخابية مدتها ثلاث ساعات أسبوعياً، تخصص لبرامج تثقيفية انتخابية تنتجها وزارة الإعلام والداخلية والبلديات، بالتنسيق مع وسائل الإعلام المعنية. 

الإعلان على الطرقات والأماكن العامة
هذا الموضوع عالجته المواد من 70 و 73 من القانون حيث أوردت بصورة خاصة:
إيلاء السلطة الإدارية المحلية أمور تعيين الاماكن المخصصة لتعليق ولصق الإعلانات والصور الانتخابية طيلة مدة الحملة الانتخابية، مع منع لصقها خارج هذه الأماكن أو في أماكن مخصصة لغيره.
عدم جواز تنازل المرشحين عن مساحاتهم الإعلانية لمصلحة مرشح آخر.
-عدم جواز استخدام المرافق العامة من دوائر حكومية وجامعات...الخ، ودور العبادة لإقامة المهرجانات الانتخابية.
-
عدم جواز قيام موظفي الدولة... باستخدام النفوذ لمصلحة أي مرشح أو لائحة.
منع توزيع أية أوراق اقتراع أو منشورات.... لمرشح....
ابتداءً من الساعة الصفر لليوم السابق ليوم الانتخاب ولغاية إقفال صناديق الاقتراع، يحظر على جميع وسائل الإعلام بث أي إعلان أو نداء انتخابي....  
ولقد كنا نتوقع ان يرد في هذا القانون ما يشير إلى وجوب مراعاة أحكام المرسوم رقم 8861/96 الذي ينظم الإعلانات عامة.

استطلاع الرأي والتغطية الإعلامية يوم الاقتراع 
ترك القانون للهيئة صلاحية تحديد شروط إجراء استطلاعات الرأي، مع التذكير بوجوب تأمين "صدقية عملية الاستطلاع ونزاهتها وطابعها الحيادي"، مولياً إياها اتخاذ التدابير الضرورية لوقف المخالفات أو تصحيحها، سواء كان بوجه مؤسسات الإعلام المرئي والمسموع أم مؤسسات الاستطلاع، أو أي شخص آخر.
وأوجب القانون على مؤسسات الاستطلاع مع نشرها لنتيجة أي استطلاع توضيح الأمور التالية:
* اسم الجهة التـي قامت بالاستطلاع،
* اسم الجهة التـي طلبت الاستطلاع ودفعت كلفته،
* تواريخ إجراء الاستطلاع ميدانياً،
* حجم العينة المستطلع رأيها وطريقة اختيارها وتوزيعهـا،
* التقنية المتبعـة فـي الاستطلاع،
* النص الحرفـي للأسئلـة المطروحـة،
* حدود تفسير النتائج ونسبة هامش الخطأ فيها عند الاقتضاء.
كما منع نشر أي استطلاع أو تعليق عليه، طوال مدة العشرة أيّام التي تسبق يوم الانتخاب، وذلك كي لا يكون لهذا الأمر أي تأثير على العملية الانتخابية.
أما بشان التغطية الإعلامية يوم الاقتراع، فهو يذكر بأنها يجب ان تقتصر على نقل وقائع العملية الانتخابية فقط.

 
صلاحيات هيئة الإشراف 
فضلاً عن بعض الصلاحيات التي مرّ ذكرها، خصّ القانون هيئة الإشراف بصلاحيات هامة، وخاصة لجهة الإشراف على عملية الإعلام والإعلان, حيث أولاها ما يلي:
1- حق تقدير ما إذا كان يقتضي احتساب ظهور المرشحين في وسائل الإعلام الفضائية غير اللبنانية ضمن المساحات المعطاة لها.
2- التحقيق الفوري في أيّة شكوى تقدم من قبل المرشح أو اللائحة المتضررة واتخاذ القرار بشأن الإحالة إلى محكمة المطبوعات المختصة خلال 24 من تاريخ تقديمها. ويبدو من الصياغة ان هذا الحق استنسابي. والسؤال المطروح، ماذا لو حفظت الشكوى ؟
3- مع مراعاة أحكام قانون العقوبات العام وقانون المطبوعات وقانون الإعلام المرئي والمسموع (وهذا هو بالتمام التسلسل الذي كان يجب اتباعه في قانون المرئي والمسموع)، للهيئة ان تتخذ ما تراه مناسباً بحق وسائل الإعلام في مخالفتها لأحكام هذا الفصل (المتعلق بالإعلام والإعلان الانتخابيين) من الاجرائين التاليين:
أ-    إما توجيه تنبيه إلى وسيلة الإعلام المخالفة، أو إلزامها ببث اعتذار أو تمكين المتضرر من ممارسة حق الرد.
ب-  أو إحالة وسيلة الإعلام المخالفة إلى محكمة المطبوعات التي لها ان تتخذ ما تراه مناسباً من التدابير الآتية:
- فرض غرامة مالية على الوسيلة الإعلامية تتراوح بين 50 و 100 مليون ليرة لبنانية.- وقف الوسيلة الإعلامية جزئياً لغاية 3 أيام، بحيث يشمل هذا الوقف جميع البرامج والنشرات والمقابلات والندوات السياسية والإخبارية.
- وفي حال التكرار، وقف الوسيلة الإعلامية عن العمل كلياً لمدة أقصاها 3 أيام (وليس الأقفال النهائي
– الذي يساوي الإعدام، كما كان وراداً في السابق).

الأصول المتبعة في المخالفات
أنيط حق ملاحقة الوسيلة الإعلامية أمام محكمة المطبوعات بشأن المخالفات المرتكبة في هذا الحقل بالنيابة العامة، إما تلقائيا،ً وإما بناء على طلب المتضرر. ولوسيلة الإعلام ان تقدم مذكرة ضمن 24 ساعة من وقت تبليغها. (هذا يعني ان على المتضرر هنا ان يقدم شكواه بواسطة النيابة العامة وليس لدى محكمة المطبوعات مباشرة).
وعلى محكمة المطبوعات ان تصدر قراراها خلال 24 ساعة على الأكثر، مع إيلاء النيابة العامة والمحكوم عليه حق استئناف هذا القرار لدى محكمة التمييز خلال 24 ساعة ايضاً من تاريخ صدوره بالنسبة للنيابة ومن تاريخ تبليغه بالنسبة للمحكوم عليه (مع عدم وقف التنفيذ ما لم يصدر قرار خاص بهذا الشأن من محكمة التمييز).

حق الرد 
كما نص القانون المنوه عنه على حق الرد، بحيث الزم وسائل الإعلام ببث التصحيحات والردود خلال 24 ساعة "من تاريخ بث الخبر المشكو منه" (وكان الأجدر ان يقال من تاريخ تلقي الوسيلة للرد). هذا مع العلم أن حق الرد منظم، في ما يتجاوز ما ورد بشأنه هنا، في قانون المطبوعات (المرسوم الاشتراعي رقم 104/77)، وقانون البث (رقم 382/94). 

خاتم
هذا أهم ما اقتضى ذكره والتعليق عليه بصورة مقتضبة بالنسبة لهذا القانون، بالنظر لضيق الوقت والمساحة المخصصة لنا.   وان كان هذا القانون لم يأت كاملاً، فهو على الأقل أفضل من ألا يأت أبداً (بالنسبة للإعلام والإعلان على الأقل)، حيث احتوى على أفضل ما توصلت إليه تجارب الغير من الدول الديمقراطية مع مراعاة أوضاعنا الاجتماعية والسياسية، ولئن ترك جانباً في الوقت الراهن مسألة النسبية في الفوز.
أما النواقص فهي سوف تظهر خلال التطبيق، ومنها يمكن أن ينطلق المشترع لاحقاً إلى استدراك ما ينبغي في قانون انتخاب تالٍ نصبو إلى أن يحقق الآمال التي لم تتحقق بعد. وهذا يتطلب فترة من الهدوء، لينضج التفكير ويسلم الجنى. وقد يجدر بالمختصين الانكباب على هذا العمل فور انتهاء العملية الانتخابية الجارية، وايلاء الموضوع الوقت الكافي.
وان كان لنا بعد كلمة نختتم بها، فهي انه جميل جداً ان تكون لنا قوانين شبه كاملة،إلا ان الأجمل هو ان نعمد إلى تطبيقها، فلا تبقى حبراً على ورق. عديدة هي القوانين التي تضمنت رقابات ما من أجل سلامة العمليات، إلا انها لم يعمل بها، مثل الرقابة على مداخيل مؤسسات الإعلام المرئي والمسموع (القانون 382/94) وقبله المطبوعات (المرسوم الاشتراعي 104/77). ويا ليت رقابة تدفق مثل هذا المال لوحده يفي بالمطلوب لوقاية الوطن.
  المطلوب جرأة وإقدام، إذ الملاحظ ان لا المواطن المتضرر يتجرأ على الادعاء عندما يعتدى على حقوقه، ولا الوزير المختص يدعي، ولا النيابة العامة تدعي، من أجل ضبط الأمور وتصويب الاعوجاج. وحده القضاء ظهر مقداماً، إذ عندما تقدم بعض القضاة منذ مدة بادعاء على المسؤول في إحدى محطات التلفزة، وجدوا التجاوب الكلي من محكمة المطبوعات
النظام (System) إما أن يعمل كله بجميع مؤسساته ومرافقه بتآلف وتزامن وتناغم، وإلا نبقى بعيدين عن بناء الدولة التي ننشد ونشتهي. 

بقلم ع. ب.
أستاذ جامعي
 
< السابق   التالي >