خلصت دراسة أعدتها الباحثة في علم الانتروبولوجيا الدكتورة نور فرّا حداد عن "الحج الديني المشترك بين المسلمين والمسيحيين في لبنان بهدف النذورات"، الى أن "الحج المشترك يمكن ان يقود الى عناصر تشكل مؤشراً الى الوضع الحالي للمجتمع اللبناني وحاجته الى الحوار".
وقالت حداد أن اطروحة الدكتوراه التي أعدتها عن هذا الموضوع ونالت عنها أخيراً درجة "جيد جداً" من قسم الانتروبولوجيا الدينية التابع لكلية العلوم الانسانية والاجتماعية في الجامعة اللبنانية، تظهر ان ثمة طريقاً للالتقاء بين كل الطوائف. وتقول حداد: "بموضوعية، أظهرت أننا نلتقي في الحج، ونتقاسم الهواجس إياها". وتلاحظ حداد ان "المراجع التي تتحدث عن ظاهرة الحج وقصص الانبياء والقديسين بشكل عام، كثيرة، لكن قلة منها تتناول هذه الظاهرة في لبنان، وبشكل خاص ظاهرة الحجاج المسلمين والمسيحيين معا بهدف النذورات". وتضيف: "تكمن أهمية هذه الدراسة التي استغرق اعدادها خمس سنوات، في ان أبحاثاً عدة تناولت المزارات المسيحية في لبنان التي يقصدها المسلمون أيضاً، كمزار سيدة حريصا وسيدة بشوات، لكن الدراسات الانتروبولوجية عن المقامات المسلمة في لبنان شبه غائبة. فمثلا، مقام النبي موسى في القماطية غير مذكور في أي من المراجع". ظاهرة الحج تتطور وتتبدل، وقد يعاد النظر فيها، وقد تندثر، على ما تقول حداد. وشهرة المواقع الدينية تعود غالباً الى مميزاتها العلاجية، جاذبة المؤمنين الى الشفاء الروحي والجسدي. ومساعي الحج بأشكالها العديدة تعبر عن تقوى الناس وحاجاتهم الى وضع حياتهم اليومية ومشاكلهم بيد الله. وتشرح اسباب الحج وأهدافه معتبرة انها "مادية اكثر منها روحية". تقول: "غالبية الاهداف هي لاسباب صحية، للشفاء من مرض، او للنجاح في اختبار في المدرسة او الجامعة، او بسبب ازمة عاطفية". وتؤكد حداد أن النساء يقمن بالنذورات اكثر من الرجال. وتستطرد حداد قائلة: "أن كثراً من اللبنانيين يعرفون ان ثمة مسلمين يزورون مواقع دينية مسيحية لكن البعض يتفاجأ بأن مسيحيين يتوجهون أيضاً لزيارة مقامات دينية مسلمة. في هذه الاماكن، لا احد يخبئ هويته الدينية، متقاسماً شيئاً مع الآخر. لكل واحد هويته الثقافية وعلينا ان نتشارك بها". واذا كان الحوار بين الأديان، على المستوى الفكري والعقيدي، تتولاه جمعيات متخصصة ومؤسسات، فـ"حوار الحج" بين المسيحيين والمسلمين، كما تسميه حداد، هو "حوار على المستوى الشعبي". تقول "انه حوار طبيعي وعفوي". وتضيف "أجريت مقارنة بين مساعي الحج المسيحية والاسلامية، ودخلت في تفاصيل الطقوس المتنوعة والمتعددة، وبيّنت ان الاختلاف صغير جدا ويكمن في أن يكون النذر هو ارتداء الناذر لباس القديس، وهذا ما تقوم به قلة قليلة من المسلمين، أما نقطة الاختلاف الثانية فهي تتعلق بالقربان". ثمة 30 موقعاً دينيا يرتاده المسلمون والمسيحيون، من شمال لبنان الى جنوبه مروراً بالجبل والبقاع، ما يعطي فكرة عن أهمية هذه الظاهرة. ولكل موقع قصته التي تعود الى آلاف السنين، وهي مرتبطة بأساطير، وتقدم حوافز متنوعة للحج. وبعض هذه المزارات هي اماكن تكسر الارقام القياسية بعدد الحجاج الذين يرتادونها، مقابل اماكن اخرى متواضعة وصغيرة اقل شهرة، وهذه الاماكن قد لا تكون مسيحية فحسب او اسلامية صرفة، فلهذه المواقع بُعد جغرافي وتاريخي وأثري، اذ ان المقام يكون احيانا مبنياً على معبد مقدس سبقه، فيتراكب المقدس في المقدس مما يولد نوعا من التفاعل مع المكان وتطوره. شملت الدراسة الميدانية التي اجرتها حداد لاطروحتها 12 موقعاً دينياً موزعة على كل الاراضي اللبنانية، منها ستة للمسيحيين وستة اخرى للمسلمين ومن كل الطوائف. اختارت الباحثة ثلاثة مزارات مكرسة للسيدة مريم (العذراء)، هي: مزار سيدة المنيطرة في مغدوشة للروم الكاثوليك (يروى ان السيدة العذراء انتظرت في هذا المكان ابنها يسوع الذي كان يقوم بالتبشير في منطقة صيدا في جنوب لبنان)، وموقع "سيدة الزهرة" في بلدة افقا الشيعية في الجبل اللبناني (يستقر المزار في أحد اركان معبد روماني)، ودير سيدة النورية للروم الارثوذكس، المستلقي على تلة صخرية مشرفة على خليج شكا في شمال لبنان. واختارت كذلك مزار القديس شربل في عنايا، وكنيسة مار جرجس الباطية في صربا جونية (للموارنة)، ومزار مار الياس في عين سعادة، وهو مزار لا تزال الكنيسة تثير حوله جدلا ويجذب اليه المسيحيين والمسلمين. اما بالنسبة الى المقامات الخاصة بانبياء من التوراة، فكرست حداد ثلاثة للطائفة الشيعية، ومقاما واحدا تابعاً للطائفة السنية، وآخرين للطائفة الدرزية. ويقع مقام النبي نوح التابع للطائفة الشيعية في الكرك، في سهل البقاع، في مكان غني بالآثار. أما مقام النبي موسى في القماطية (عاليه) فهو مزار متواضع يجذب المؤمنين ومعروف بسمعته والبركات التي يروى انه يغدقها على من آمن به. وفي جنوب لبنان، مقام النبي عمران في القليلة، المعروف بأنه والد السيدة مريم، وهذا الموقع صمد في وجه الحروب ولا يزال يحافظ على طابعه المقدس. وللسنّة مقام النبي يوشع في المنية (شمال لبنان) وهو "معروف ببركاته"، على ما تصفه حداد. أما المقامان الدرزيان، فأولهما للنبي ايوب، ويقع على ارتفاع 1120 مترا في نيحا (الشوف)، والثاني مكرس لـ"الست شهوانة" في عمّيق (سهل البقاع)، وهي منطقة يسكنها المسيحيون والشيعة. وتروي حداد ان مراحل حياة الست شهوانة تشبه حياة القديسة مارينا، اذ كلتاهما تنكرت بزي رجل وعاشتا الزهد والصلاة منعزلة في الجبال مع والديهما بعد وفاة امهما، واجتازتا التجارب اياها. وأعدت حداد لكل مقام ملفا كاملا خاصا به اضافة الى مقابلات ومراجع وصور. وتقول: "قارنت في دراستي بين المعتقدات والحوافز الخاصة بكل طائفة وبكل مقام. والاشكالية تكمن في الممارسات الطقسية، اذ يأتي سلوك الزائر منسجما مع تقاليد المقام وليس بحسب طائفة الزائر"، مع احترام نظام كل مقام. وتضيف: "ان تكيّف المحج في مقام ديني غير تابع لطائفته يجري بطريقة طبيعية اياً تكن طائفة الزائر". بحسب المقابلات الـ200 التي أجرتها، وساعات من المراقبة الميدانية، تبين لحداد ان "الحج عادة تتعلق بالنذورات وقلة تحج بهدف روحي". وتستعرض حداد تركيبة اطروحتها شارحة ان القسم الاول منها نظري، تتطرق فيه الى ظاهرة الحج عموما عبر العصور والتاريخ، والحج بهدف النذورات، والحج المرتبط بالنذورات لدى الطائفتين المسيحية والاسلامية، وكيفية تطور هذه الظا هرة في الشرق الاوسط عبر التاريخ، والمقاربة المسيحية والاسلامية لظاهرة الحج والقديسين والانبياء. اما القسم الثاني فيتناول قصصاً واساطير عن القديسين المشمولين بهذه الدراسة والمزارات المخصصة لهم، ومشاهدات حول المكان عبر مراقبة علاقة الناذر بالقديس وكيفية ادارة المكان ودور رجال الدين وممارسات المؤمنين والكتب والاغراض الاخرى التي يمكن ان يأخذها معه الزائر. باختصار، وصفت حداد الموقع ونظرة الحجاج اليه بشكل تفصيلي. ولا تخفي الباحثة انها وجدت صعوبة في ايجاد مراجع عن بعض المواقع لاسيما الاسلامية منها، على غرار مقام الست شهوانة في عمّيق، او النبي موسى في القماطية، لذلك تعتبر اطروحتها في هذا القسم مرجعاً شاملاً للمكان ولحياة القديس او النبي صاحب المقام وسلوك الحجاج. وهل ثمة لباس معين يرتديه الحجاج لزيارة هذه المواقع الدينية؟ تجيب حداد: "عندنا، في لبنان، لا يركز الحجاج على نوع ثياب معين، لكنهم يرتدون ألبسة واسعة محتشمة في غالب الاحيان، ويخلعون حذاءهم، او يغطون رأسهم او يلبسون ثوب القديس، وهذا الامر منتشر عند المسيحيين لكنه ايضاً موجود، ولو بشكل محدود، عند المسلمين". وخصصت حداد القسم الثالث لتحليل خصائص هذا البحث ونتائجه، وتقول انها اجرت اكثر من 200 مقابلة مع الناس الذين يهتمون بالمقام والحجاج والمرافقين لهم، وجاء التحليل مستنداً الى ما قالوه لها. وتناول الجزء الاول من هذا القسم القديسين المكرّمين لدى الطائفتين وعلى راس اللائحة يأتي تكريم العذراء، والانبياء، وبعض القديسين المعتمدين من الطائفتين. وتظهر الدراسة، بحسب حداد، ان المسلمين يكنون اجلالاً كبيراً للسيدة مريم وللانبياء الذين وردت سيرهم في الكتاب المقدس والقرآن، وتبين ان القديسين اللبنانيين المعاصرين مكرّمون من الطائفة المسلمة، وباتوا قديسين وطنيين، كرفقا والحرديني ومار شربل، اذ اخذوا اهمية وطنية تتخطى الاطار الطائفي. وثمة قديسون من مذهب معين غير معروفين خارج نطاق الطائفة الواحدة، او حتى لا تعترف بهم الطوائف الاخرى. اما "مار جرجس" مثلا، فمعروف باسم مختلف لدى المسلمين هو الخضر، وهم يكرّمونه. وثمة قديسون من طائفتين مختلفتين تتشابه قصصهم، كالقديسة مارينا التي تتشابه قصتها مع السيدة شهوانة عند الدروز. تقول حداد في هذا الصدد: "المسيحيون لا يعرفون ان الست شهوانة تتقاسم القصة نفسها مع القديسة مارينا، اما الدروز فيعرفون ذلك". ولم تتوان الباحثة عن ذكر فضائل القديسين، وبعضهم مثلاً معروف بروح الثأر والانتقام، من الذي اساء الى مقامه، او تعدى عليه، اذ ان القديس، بحسب الروايات، يحافظ على مكانه، وثمة شهادات من الحجاج في هذا المجال. وفي الجزء الثاني من هذا القسم، تتطرق الباحثة الى الحج والنذورات المشتركة، وادارة الاماكن الدينية التي تختلف عند المسيحيين عما هي عليه عند المسلمين، ونقاط التقارب بينهما، وعلاقة الحج بالسياحة واستخدام صورة القديس احياناً لاغراض سياسية وتجارية، وجعلها اداة لهدف سياسي. وتتناول حداد ظاهرة ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي شهد حجّاً من نوع آخر، اذ زار الالاف ضريحه من كل الطوائف في وسط المدينة واضاؤوا الشموع المزينة بصور للقديسين. وبحسب حداد، تتداخل السياحة ايضاً بالدين، حين يتحول فضاء المزار الديني الاصلي ليصبح اكثر اتساعاً لاستقبال السياح، وتتغير معالمه بحسب عدد الحجاج الذين يزورونه. تقول: "يزداد عدد الحمامات، وتوسع مرائب السيارات وتنظم، وتوضع اشارات لتوجيه السياح، فيأتي تنظيم المساحة لاستقطاب عدد اكبر من الزوار، ويصبح المقام الديني ذا وجه سياحي". وتتناول حداد طرق النذورات، وتلاحظ انها "ليست مسيحية او اسلامية صرفاً، بل هي طرق كانت اكثرها قائمة قبل المسيحية والاسلام، كأن يمشي الناذر الى المقام حافي القدمين او راكعاً، والنذورات المالية، او ذبح حيوانات، او تقديم ازهار، او مساهمة في بناء كنيسة. ومن الممارسات ايضا، التطواف حول الضريح، او حول اي رمز آخر، كشجرة مثلاً، كما في مزار مار ساسين في بلدة بيت مري، حيث شجرة في ساحة الكنيسة يعتقد المؤمنون ان جذورها مقدسة، فيمرون تحت جذعها ثلاث مرات. وفي مزار سيدة حماطورة في كعب قاديشا، مغارة فيها صاعدة كلسية متحجرة، تطوف حولها النساء ثلاث مرات ويعلقن ثيابهن عليها، أملاً في ان يرزقن طفلاً. وعند الدروز ايضا، في مقام النبي ايوب في نيحا، شجرة جذعها بالوان مختلفة، والشائع بين مرتادي المقام ان النبي ايوب الذي كان يعاني البرص مسح جلده بجذع الشجرة فامتص الجذع مرضه. وثمة رموز مرتبطة بالحج، كحرق البخور واضاءة الشموع او شرب المياه المقدسة او وضع صورة للناذر في المقام او يلصقون نقوداً معدنية على بلاطه، او اخذ قطن مبلل بالزيت المقدّس. ويضع المسلمون عطراً في المكان او يقطفون اعشاباً من المقام ليغلوها، او يملأون القناني بالمياه المباركة. ومن الممارسات ايضاً حفّ الحجر المقدس على الجسم، او اخذ ذخائر (عند المسيحيين) او أحجية (عند المسلمين). وتتطور هذه الطقوس مع الزمن "لكن الاساس لا يتغير"، على ما تقول حداد، فالحجاج باتوا اليوم يضعون صورهم في المقام او يشترون تماثيل متنوعة الأحجام للقديسين. ولكن من هو الانسان الذي يحج ومن اي مستوى معيشي وثقافي هو؟ ترد حداد: "ثمة معتقد ان الاغنياء او المثقفين لا يقومون بالنذورات، لكن الفكرة الاساسية ان الحج غير مرتبط بطائفة معينة او مستوى معين بل بالعامل البشري. الانسان لديه الحاجات نفسها، والاختلاف يكمن في الطريقة. الانسان، من اي مستوى كان، يفتش عن الأمل، اذا كان مريضاً او محتاجاً او حزيناً، وفي الحج يجد الأمل". في المزارات والمقامات التي درستها حداد، اذاً، "حوار بالحج" بين المسيحيين والمسلمين، "حوار على الارض، يسبق حوار المكاتب واللجان والطاولات"، او "الحوار بالحجج"، بين الديانتين، على ما تقول حداد.