مقال: عن وسائل الإعلام العربية.. والموقف منها
08 / 02 / 2010
سامي حسن- السفير- رغم محاولة وسائل الإعلام المرئية والمطبوعة (غير التجارية طبعاً) الظهور بمظهر المستقل والحيادي، فإن معظمها، لا سيما، صاحبة التأثير القوي، تتبع، مباشرة أو مواربة، لدول معينة من ناحية التوجيه والتمويل. وقد بات من الصعوبة بمكان لوسائل الإعلام، لا سيما القنوات الفضائية، أن تفرض نفسها بقوة، ما لم تستطع الحصول على تمويل كبير.
وهو، ما لا يمكن تأمينه، على الأرجح، مع وجود بعض الاستثناءات، إلا عن طريق الدول (يمكن استثناء بعض وسائل الإعلام المملوكة من قبل شخصيات ثرية. وأيضاً يمكن استثناء المواقع الالكترونية، التي تعتبر من أقل وسائل الإعلام كلفة. الأمر الذي يوسّع دائرة القادرين على احتيازها).
والسؤال: هل تلعب وسائل الإعلام، لاسيما الموجهة منها، دوراً إيجابياً في تطوير الواقع العربي ودفعه قدماً إلى الأمام؟
إن عودة سريعة لما كان عليه واقع الإعلام قبل عقدين، تحيل للإجابة بنعم؟ فقد أدّت الثورة التقنية وما ترتب عليها من ظهور للقنوات الفضائية والمواقع الالكترونية (التي أحدثت قفزة نوعية في مجال حرية التعبير) إلى احتدام المنافسة بين وسائل الإعلام، واضطرارها، بما فيها تلك الرسمية التابعة مباشرة لهذه الدولة أو تلك، لتحسين أدائها، لأن عدم قيامها بذلك سوف يؤدي إلى انكفاء الناس عنها. وبالتالي الكفّ عن القيام بدورها التأثيري، التوجيهي والتحريضي، على الرأي العام، الذي هو مبرر وجودها. بهذا المعنى، فقد اضطر العديد من وسائل الإعلام، إلى توسيع هوامشه الديموقراطية، وإتاحة المجال للرأي الآخر الذي لا يندر أن يكون معارضاً لتوجهاتها (بات من المألوف رؤية مثقفين علمانيين في محطة فضائية تتبع حزباً طائفياً. وأن تنشر مقالات لكتاب ماركسيين في صحيفة ذات توجه ليبرالي). هذا يعني أن تحوّلات بنيوية قد جرت، وما زالت، على بنية مؤسسات السلطة الرابعة. وهي مؤسسات غير معزولة، بل لها صلة وثيقة ببنية الأنظمة في بلداننا. ما يعني، بشكل أو بآخر، أن هناك تحوّلات تجري، مهما بدت بسيطة، على مستوى بنية هذه الأنظمة وآليات عملها. وعليه، يمكن القول، إن ما تقدمه اليوم بعض وسائل الإعلام (الصحافة، الفضائيات،...) من موزاييك سياسي وفكري هو بمثابة بروفة لما يمكن، ويجب، أن يكون عليه الوضع في المجتمعات العربية. ولم يعد بالإمكان إخفاء الحقائق أو تزييفها (إلا في حال نجاح النظام الرسمي العربي، وهو أمر مستبعَد، في الاتفاق على سياسة إعلامية موحدة تتضمّن تقييد وسائل الإعلام وتشديد الرقابة عليها وتضييق هوامشها).
بناء على ما سبق، يطرح نفسه سؤال: كيف يجب أن يتعامل (المثقفون أو السياسيون أو الكتاب أو...) الذين يختلفون مع توجهات هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، لا سيما المتميزة منها، في حال أتاحت لهم، التعبير عن وجهة نظرهم؟
في محاولة الإجابة عن السؤال نستعرض بإيجاز موقفين أساسيين: أحدهما، يرفض كلياً التعاطي مع وسائل الإعلام (عدم النشر في صحيفة ما، أو الظهور في محطة فضائية أو...إلخ) التي يختلف مع توجهاتها السياسية أو الفكرية أو الأيديولوجية. أما الآخر، فيرفض الموقف السابق، ولا يؤيد المقاطعة، بل يسعى للتواجد في وسائل الإعلام، انطلاقاً من القناعة بأننا نعيش في زمن الفضاء المفتوح، ودخول وسائل الإعلام إلى كل منزل «شاء من شاء وأبى من أبى». بالتالي هناك فرصة لإيصال الحقائق ووجهات النظر لأوسع جمهور ممكن.
إن تبعية هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، لهذه الجهة أو تلك، لم تعد سراً خافياً على أحد. لذلك، فإن الخوف من تأثير سياساتها أو توجّهاتها، المباشرة منها أو غير المباشرة، ربما يكون فيه نوع من المبالغة، وعدم الثقة بالناس وقدرتها على تمييز الحقيقة. هنا نسأل مثيري تلك المخاوف: هل، برأيكم، تأثر الشارع العربي سلباً بما تقوم به العديد من القنوات الفضائية، ذات التوجهات المختلفة والمتناقضة، من استضافة لشخصيات إسرائيلية؟ وما هو موقفكم، من الصحف ذات الميول القومية واليسارية والإسلامية والليبرالية و...إلخ، التي تنشر مقالات لكتاب إسرائيليين، بل وتخصص زوايا ثابتة للصحافة الإسرائيلية؟
يبقى التأكيد على مسألة هامة، وهي أنه قد لا يكون متاحاً، في وسيلة إعلامية ما، التعبير عن وجهة النظر كاملة، لكن ذلك يجب ألا يدفع إلى تغيير وجهة النظر أو تحريفها. أو قول نقيضها. أي، ربما، لا يتمكن المرء من قول كل ما هو مقتنع به، لكن عليه، ألا يقول، إلا ما هو مقتنع به.
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالي >