تروّج الشركات العالمية، التي تبيع معدات قطاع الإتصالات، فكرة واحدة تقريبا منذ نهاية العالم الماضي يمكن إختصارها، مع التصرف، بالآتي: "من دون البرودباند لا يمكن مواصلة الحياة في شكل طبيعي".
لكن هل هذه الحال حقيقية؟ وهل الإقتصادات العالمية المثقلة بنتائج الأزمة العالمية جاهزة لهذه النقلة النوعية لتحقيق سرعة أعلى وسعة أكبر في شبكات الإتصالات؟ لا يمكن تقديم إجابة دقيقة عن هذه التساؤلات، لكن حاليا يمكننا الإستماع الى نظرية الشركات ومحاولة تلمس الأبيض من الأسود فيها. وتنضم إلى شركات الإتصالات، الشركات الإستشارية في هذه النظرية، إذ أصدرت شركة الإستشارات بوز أند كومباني أخيراً تقريراً في هذه القضية.
وترى الشركة في تقريرها أن شركات الاتصالات تواجه اليوم لحظة حرجة في تطوّرها، اذ أصبح إنشاء الجيل الجديد من شبكات البرودباند يتصدّر أجندات دول العالم، مع إقرار القادة بأهمية هذه الشبكات بالنسبة إلى تطوّرهم الاقتصادي والاجتماعي. كما أنّ المستهلكين أيضاً يطلبون الجيل الجديد من شبكات النفاذ لدعم المستوى الجديد من التطبيقات والخدمات.
الحوسبة السحابية
تجدر الإشارة إلى أن عملية الإنتقال إلى شبكات البرودباند توفر مجموعة واسعة من التطبيقات للمستخدمين، إذ تتيح خدمة الإتصالات الفيديوية وإستعمال الخلوي لتلقي بث المحطات الأرضية والفضائية وإستخدام الإنترنت بسهولة أكبر، وغيرها من الخدمات التي تتطلب السرعة والسعة.
ويضيف التقرير أن النجاح في ظلّ هذه الظروف يتطلّب من شركات الاتصالات إعادة النظر في التكنولوجيات التي ستستخدمها للمنافسة، وفي كيفية اختلاف تلك الخيارات وفق الزمان والمكان، وإذا كانت الاستراتيجيات المختارة ستستلزم نماذج جديدة لإنشاء الجيل الجديد من الشبكات. وإلى هذا، يجب أن تدرك شركات الاتصالات أنّها ستتمكّن من المنافسة في بعض المجالات من دون سواها، وأنّه يتعيّن عليها تحديد المجالات التي يجب الاستثمار فيها بقوة وتلك التي ينبغي الإنسحاب منها، ومتى يجب اللجوء إلى التعهيد أو عقد الشراكات أو البناء من الداخل.
ويضيف أن عدد الأسر والشركات المتزايد، والتي تطلب تطبيقات، تحتاج إلى نطاق أكثر عرضاً لتوفير إمكان مشاهدة المحطات الفضائية والمؤتمرات على الإنترنت وإستخدام ما يُعرف بالحوسبة السحابية Cloud Computing (تقنية تسمح للمستخدم بتخزين بياناته لدى الشركات أو ما يُعرف في فضاء الإنترنت). واليوم يتولّى لاعبون، غير شركات الاتصالات، تقديم عدد من تطبيقات وخدمات الجيل الجديد، مثل غوغل ويوتيوب وفايسبوك.
ويضيف التقرير أنه يتعيّن على المشغّلين، عند إعداد استراتيجية الجيل الجديد من شبكات النفاذ، ترتيب عملية صنع القرار من خلال تقسيمها إلى ثلاث مراحل: تحديد الدور، تحديد الهدف والإدارة والتنفيذ. في المرحلة الأولى يتعيّن على شركات الاتصالات تحديد استراتيجية الجيل الجديد من شبكات النفاذ، وأن تعي موقعها الحالي في السوق، وأن تحدّد الموقع الذي يمكنها بلوغه واقعياً في المستقبل. كما يجب أن يحدّد كل المشغّلين ما إذا كان من المجدي تقوية مواقعهم من خلال بناء بنية تحتية لحسابهم الخاص أو مع شركاء آخرين أو الخروج من السوق. ويشرح أن كل حكومة ستتخذ موقعاً محدداً لناحية التكنولوجيا المستخدمة، ما سيؤثّر حتماً على أهداف المشغّلين.
سوق متغيّر
جاء في التقرير أنه، وبفعل التكاليف المرتفعة المترتبة عن تطوير البنى التحتية على امتداد سنوات عدّة، يصعب على المشغّلين تحمّل التأخير والأخطاء. لذلك، تمكنهم الاستعانة بالشراكات لزيادة سرعة التنفيذ أو الوصول إلى عدد أكبر من العملاء أو خفض تكاليف الإنشاء الفعلية، كما تمكنهم الافادة من استثمارات وإعانات الحكومة. وتمثّل الشراكات، مثل تلك التي تعقد مع مشغّلين آخرين أو مقدّمي كابلات أو مع بلديات أو مرافق أخرى، مصدراً للتعاون وضمانة للفعالية. غير أنّه يجب إدارة العلاقة بدقة بهدف تحقيق الأهداف الأساسية، فيما يتمّ صون مصالح الأطراف كافة. وعند اختيار الشريك، يتعيّن على المشغّل إتباع استراتيجية واضحة للتفاوض تقرّ بمختلف الأوجه الإيجابية والسلبية المحتملة في أيّ اتفاق تعاوني.
ويرجّح التقرير إيجاد أوجه التعاون الإيجابية في كل اتفاق ضمن أربع فئات واسعة هي: البنية التحتية، إجراءات الإنشاء، سرعة التنفيذ والوصول إلى العملاء. ولا بد من بناء الشراكات مع الإقرار بوجود أوجه سلبية للتعاون أيضاً تتضمّن درجة التعقيد، هامش الخسارة، تقاسم الأرباح ورفع سقف التوقعات.
ويرى التقرير أخيراً أن المرونة ستكون مهمة جداً في التكيّف مع واقع السوق المتغيّر بسرعة، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون المنافسون السابقون شركاء محتملين في عملية التنفيذ. ويتعيّن على المشغّلين تقييم وقع إجراءات التطوير الجديدة على أعمالهم، كالتحوّلات المؤسسية والتنظيمية والتغيّرات في السياسة.
النهار 25/7/2010