نعيش في عصر يجوز فيه ما لا يجوز. اللامنطق صار منطقا. واللااعتدال صوابا. والتجسس قيمة مضافة، أما التنصت فحدث ولا حرج... هو عصرٌ علينا ان ننام فيه وعيوننا مفتوحة.
وإذا أغمضناها فتح الآخرون عيونهم علينا واقتحموا تحت حجج حميمياتنا!
كم واحد منكم (ومنا) تحت المراقبة؟ من يراقب من؟ وهل بينكم وبين "النت" عزول؟ وهل تريدون أن يذكركم أحد بآخر مكالمة أجريتموها قبل أن تمسكوا بنا وتقرأونا؟
حكاية هذه الأيام: تجسس وتنصت! فهل من يشرح لنا تقنيا حدود انفتاح "العيون والآذان" على انفتاحنا التكنولوجي؟ واين تبدأ الأخلاقيات التقنية التجسسية واين يا ترى تنتهي؟
بعيدا عن حكايات محمود رافع وشربل قزي وطارق ربعة وفرع المعلومات ومديرية المخابرات واخبار السيد حسن نصرالله... ما يهم الانسان اللبناني العادي الذي يجلس وجهه في وجه الكومبيوتر وأصابعه على ازراره وعقله في ذاكرته وعيناه تلتهمان صفحات وصفحات من صفحاته هو: وهل من ثالث بينهما؟ هل من عزول بين الانسان والجهاز؟
تقنيٌ يفهم جيدا في اصول التكنولوجيا يرد بوضوح، بسرعة وبصراحة: هناك بين الجهاز المتصل بالانترنت وصاحب الجهاز كائن ثالث ورابع وخامس... واليكم التفاصيل: يفترض ان يصب الانترنت في كل بلد في أنبوب واحد. في لبنان في اوجيرو، ومنه يطلع الانترنت الى الشبكة العالمية، وتملك الجهة الرسمية عادة التي تدير الأنبوب "pipe" معدات تمكنها من التنصت على الإنترنت وتحديد الصفحات التي فتحها كل مشترك. وتصب عادة في هذا الانبوب ملايين المعلومات التي لا تهم إلا صاحبها، ولا ضرورة بالتالي للتجسس عليها، إلا إذا كانت تهم جهة ما سياسيا، امنيا او حتى نفسيا. لهذا يجري عادة اختيار مجموعة بشر و"فلترتهم"، إما اختياريا او عن سابق قصد وتصميم للتجسس عليهم.
لكن ماذا لو كان "للأنبوب" وصلة على أحد ما، ولنقل على سبيل المثال، على حزب ما؟ وهل هذا ممكن؟
يجري عادة تسليم أجهزة التنصت على الانترنت أو الخليوي للمؤسسات الرسمية وليس لأفراد، وهذا ما تحدده شروط الدول المصنعة. لكن ممكن في عصر اللامنطق وجواز كل ما لا يجوز ان تبيع الشركات المصنعة اجهزة التنصت للدول، والدول التي تسلم السلاح للقوى تسلم معه جهاز تنصت لئلا نقول أجهزة. فمن يستلم صواريخ قادر على ان يستلم اجهزة تنصت.
ماذا يعني هذا؟ وكيف قد تتجسس أطراف غير شرعية غير مربوطة (مبدئيا) بالانبوب، على من تشاء وساعة تشاء؟
ما يفترض معرفته هو ان الانترنت الذي توفره وزارة الاتصالات لا يكفي حتى الآن كل لبنان، وهي غير قادرة على توسيع حزمة الانترنت اكثر في الوقت الحاضر، مما يضطر بعض الشركات الى تركيب محطات غير شرعية مثل الباروك عبر الساتلايت مباشرة، وبيع تلك المحطات لأفراد معينين، وهي قادرة على ان تتنصت عليهم لأنهم مرتبطون بالانبوب الذي يصب عبرها.
الحزب، حزب الله، يملك محطات في الضاحية تأخذ انترنت عبر الساتلايت وتوزعه على شركات انترنت شرعية وغير شرعية موجودة على الأراضي اللبنانية، في شرق بيروت وغربها وابعد من بيروت بكثير، مما يجعله مالكا، بحسب التقني، قدرة المراقبة على الحزمة او الحزم التي تمر عبر محطاته. وتصب بذلك معلومات الكثيرين في الضاحية الجنوبية، التي تتمكن عبر الانترنت من توفير جزيرة، او جزر بالاصح، امنية في مناطق قد لا تخطر في بال! فهل انتم مرتبطون بكابل انترنت غير أوجيرو؟ وهل سألتم البائع: ومن أي محطة يستقي اشتراكاته؟ هل من محطة اوجيرو؟ هل من محطة شرعية ام غير شرعية؟ ومن يديرها؟ اسألوا لتعرفوا أقله من يملك مقدرة التجسس، اذا شاء، عليكم!
ثلاثمئة ألف مشترك في لبنان، يقال، مع شبكات غير شرعية. هذا في الانترنت. ماذا في الخليوي؟ وهل هناك من هو قادر غير فرع المعلومات على التنصت؟
يسمى قطاع الاتصالات اللاسلكية الخليوي، لأن محطات التغطية مؤلفة من خلايا نحل "cells". والتنصت على الخليوي سهل وصعب، وهناك نوعان منه: من ضمن المحطة الواحدة وعلى مستوى الشبكة ككل.
التنصت من ضمن المحطة الواحدة او الخلية الواحدة سهل، ويتطلب حقيبة فنية تُفتح، فيصبح كل المشتركين في المحطة- الخلية بين "أذني" حاملها. وعادة لا تبيع الشركات المصنعة مثل تلك الحقيبة إلا لشركات حكومية. لكن أغلبية احزابنا لديها علاقات بدول قادرة على ان تشتريها وتمنحها لأصدقائها الداخليين، ومن يحصل على صواريخ (نكرر) لن يُبخَل عليه بحقيبة!
كم تغطي المحطة- الخلية؟
يتحدث الفني عن قوة "power" في كل محطة يمكن التلاعب بها انسجاما مع واقع جغرافيا المكان. وتغطي "الحقيبة" عادة بين مئتي متر وخمسمئة متر، بمعنى ان في المناطق ذات الكثافة العالية، في بيروت مثلا، تُصغَّر مساحة التغطية وتُركَّز اكثر. اما في المناطق النائية ذات الكثافة السكانية المنخفضة مثل البقاع، فتُوسَّع المساحة.
ماذا عن التنصت على مستوى الشبكة ككل؟ وهل يكفي ان تُجمع معلومات حملة الشنط الموزعين في المناطق ليصبح البلد ومن فيه في دائرة التنصت الحمراء؟
التنصت على صعيد الدول صعب (مبدئيا) على غير الدولة واجهزتها الامنية، التي لها ان تطلب من السنترال، عبر امر ترسله، التنصت على رقم معين. ترى إذا كان طرف ما يتصرف كدولة في قلب الدولة ويملك جزيرة امنية اختراقها ممنوع، أفلا يكون قادرا على ارسال امر بالتنصت؟ السنا في بلد يجوز فيه ما لا يجوز؟ يجيب الفني: نعم...
بين نعم واكيد نسأل: وماذا يُقصد عادة بالقول "داتا"؟ ومن هو قادر على تحليل المعلومات الوافدة؟
تختلف نظرة الدول الى طبيعة التنصت المطلوب. فالالمان مثلا توصلوا الى قناعة بانه يكفي ان يعرف المتجسس من يتكلم مع من ليفكك شيفرة الشبكات ويعرف ماذا يُحاك ويُضمر. كما لم يعد يهم التنصت دولاً كثيرة إلا بمقدار ما ينتقد المتنصت الامن القومي. من ينتقد هذا الامن او يهدده في شكل من الاشكال يسمح بالتنصت عليه والتجسس. واذا كان هذا الشخص يتكلم في شكل دائم مع اثنين او ثلاثة آخرين، مشكلا معهم حلقة، يوضع هؤلاء تحت ضوء التنصت، والمعلومات "الداتا" من مخابراتهم ترسل الى التحليل.
إذا انطلقنا من القاعدة الالمانية التي تقول انه يكفي ان نعرف من صديق من ومن يتحدث دائما مع من لنعرف طبيعة الاتصالات، فقد يكون كافيا لأي سلطة رسمية طلب فاتورة مفصلة لاي كان لاكتشاف طبيعة علاقاته الخليوية واستبيان اتجاهاتها. وفي هذا الاطار يقول الفني: حين تشك الاجهزة الامنية في أحد تطلب "الداتا" عنه وتجمعها ولا تقبض مباشرة عليه، في سعي منها الى اكتشاف الحلقة التي يرتبط بها وتوسيع هامش المعلومات الوافدة. ويحصل التنصت هنا وفق شكلين: تنصت على مستوى الصوت عبر السنترال، وتجسس لاستكشاف "الداتا" عبر مراقبة من يتصل بمن، اما التحليل، فيتم في الغرب عبر برامج سوفت وير. اما عندنا، فاعتمدت هذه الطريقة في تحديد الشبكة التي نسقت لاغتيال الشهيد رفيق الحريري، عبر التقاط مجموعة الاتصالات التي فتحت قبل وقت قليل من العملية وأُقفلت بانتهائها.
فرع المعلومات اساسي في الدولة، وصعب ان يجيب من يسأل أيًّا كان، لماذا لم يفعل هذا او لماذا فعل هذا. فهو وحده قادر على تحديد ما هو مناسب وما هو غير مناسب. في العام 2006 مثلا نجح فرع المعلومات بواسطة الحقيبة القادرة على التقاط حزمة الاتصالات في منطقة جغرافية ما، في اكتشاف العميل محمود رافع. حددوا صلته يومها عبر الرقم الداخلي "serial number" الموجود على كل جهاز خليوي ويمكن الحصول عبره على "data mobile"، يومها لم يُقبضَ فورا على العميل ريثما تُكشَف كل الشبكة التي تملك نوعية الجهاز الذي لا يطابق رقمه الشركة التي تصنعه. عملية فك الشبكات اذا تقنية بحت ويفترض ان تقوم بها الاجهزة الرسمية البحت، وان تحدد بنفسها ما يفترض فعله او التريث به او الاعلان او السكوت ريثما يصبح الكلام فعالاً.
اذاً التنصت الرسمي يجوز وممكن، اما التنصت اللارسمي، فلا يجوز لكنه للأسف ممكن أيضا، فهل يستطيع موظف في شركة خليوية ان يبدل كل "داتا" بوصلة ما يجريها على غفلة من الجميع؟
العملاء كثيرون، ولكل جهة في لبناننا عمالة وعملاء، لكن ان ينجح اي عميل، في تركيب وصلة في موقع عام، مفتوح، مفضوح، ومد كابلات، فهذه قمة "المسخرة". العميل قد يأخذ "شنطة" ويتجسس عبرها ويزود الاعداء بما يتيسر له من معلومات. وقد يحتاج الى مساعدة من عميل في الاتصالات لتزويده بمعلومات وارقام واسرار. اما "الوصلات" الداخلية، فلا يقوم بها إلا غبي!
التنصت على قادة حزب الله غير ممكن لأن اتصالاتهم "الرسمية" كلها تجري عبر شبكات الياف بصرية "fiber optic" تحت الأرض، اتكلوا عليها في حرب 2006 في الدعاية وارسال صور اولية سريعة عن الاحداث والمعارك الجارية. كان في حوذة كل مقاتل من حزب الله بندقية وكاميرا. انها التكنولوجيا التي تسخر كل العمليات في زمن مفتوح على كل الاحتمالات. السيد حسن (نصرالله) لم يحمل معه يوما جهازًا خليويًا. مرافقوه لا يحملون أيضا أجهزة. حزب الله أكثر من يعرف في تقنيات الخليوي والاتصالات، فكيف له، بقلب طيب نسأل، ان يقع في شرك ألفا؟
نحاول ان نعرف اكثر. ان نسأل اكثر. نرى بام العين عمليات قد لا تخطر في بال. رقمي اتصل بي! لم اصدق. التكنولوجيا في زماننا وضمنها الاتصالات والانترنت "beyond the knowledge"... امور كثيرة لم نفهمها ولن نفهمها، إلا اننا بتنا سيرة مفتوحة امام كل من يشاء ان يقتفي آثارنا!
نسأل عن اخلاقية التكنولوجيا؟
فلنحاول ان ننساها قليلا. افضل.
المسيرة