اجتاح الـ "فايسبوك" العالم من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه، ولعله كان الظاهرة الوحيدة التي استمر وهجها من دون انقطاع أو ملل حتى تاريخه. ليس مستغرباً ان الشبكة التي شغلت الشباب
والأولاد ورجال الاعمال في العالم، قفزت إلى صلب حياة السياسة والسياسيين في العالم الغربي، لكن ان تتمكن هذه الشبكة، في لبنان بالتحديد، من ان تردم هوة تفرضها معادلة مسؤول يحلّق في عليائه ومواطن يرفض أصلا أن يختصر مسافة طالما أبهرته وفرضت نفسها عليه، فذلك يشكل أمراً مستغرباً. هكذا ترى المواطن يعلّق على صفحة المسؤول والأخير يجيب عليه ويحرص على أن يحمّل صورا تتعلق بعمله اليومي أو حياته الخاصة، حتى انه قد يضع إشارة "Like" على ما يعجبه من الصور والحوارات... في اختصار رُفعت "الكلفة"، وبات المواطن صديق المسؤول على الـ Friend List .
في جولة على صفحات "فايسبوك"، توقفنا عند أسماء سياسية بارزة من الملاحظ انها ناشطة على الشبكة. فوزير الداخلية والبلديات زياد بارود من الأنشط، عرفناه ديناميكيا في كل شيء، لكن ديناميكية استخدامه هذه التقنية، بما في ذلك خدمة المواطنين، كانت مدهشة، إذ باتت جزءاً لا يتجزأ من العمل التنفيذي للوزارة. حتى ان صفحته هي الأكثر فاعلية على الشبكة، كون الشكاوى توجه إلى مرجع في السلطة التنفيذية مخول اتخاذ القرارات العملية، مما يجعل المهمة أسهل من توجيه الشكوى إلى مرجع في السلطة التشريعية، كما سنرى مع النواب ابرهيم كنعان ونهاد المشنوق وسامر سعادة.
لكن كيف لوزير يحمل حقيبة سيادية كوزارة الداخلية والبلديات، ان يجد وقتاً لحل شكاوى الناس عبر الـ "فايسبوك"؟ الجواب لدى المسؤول عن الموقع الخاص بالوزير بارود المدير الفني لـ "نهار الشباب" الزميل زياد القسيس الذي شرح لنا آلية عمل مترابطة ومتخصصة يعتمد عليها بارود في حلّ القضايا. بداية لفت القسيس إلى ان "الصفحة تضم أشخاصاً عدة يهتمون بقضايا الناس، كل وفق اختصاصه، فكل الرسائل التي ترد إلى الصفحة ترسل إلى بريد الوزير، على ان تحول بعدها إلى الشخص المعني بحلّها. إذا كانت القضية إعلامية تتابعها المستشارة الإعلامية للوزير الزميلة ألين فرح، وترسل الأمنية إلى العميد بيار سالم الذي يكلف بدوره من يهتم بها، اما إذا كانت قانونية فتذهب إلى المستشار القانوني ربيع الشاعر".
وأكد القسيس ان "الصفحة هي من أكثر الصفحات فاعلية على فايسبوك، فالناس يعبرون عن شكواهم في شكل يومي، والتعامل مع هذه الشكاوى يكون سريعا الى درجة ان الردود لا تتأخر أكثر من يومين كحدّ اقصى، طبعا بحسب طبيعة الشكوى". وأضاف: "آلية العمل عملية وسريعة ولا تتوقف حتى يومي السبت والأحد، فانا أشرف عليها يومياً ونحدثها في شكل دائم، إذ نضع عليها كل البيانات الرسمية الصادرة عن الوزارة والتي تهتم فرح بمتابعتها وارسالها".
وعما إذا كان بارود يقرأ الرسائل الموجهة إليه أم يتكل على فريق عمله، أكد القسيس "أن ما من شكوى تصل من دون ان يقرأها الوزير، حتى انه قام أكثر من مرة بالإتصال بصاحب الشكوى وعمل على حلها شخصيا". ومن بين القضايا التي اهتم بارود بحلها ذكر "مشكلة كان يعانيها جورج كوري تتعلق بمصادرة الدراجات، وبما انه كان يقود دراجة هارلي أرسل رسالة يذكر فيها انه يقود دراجته من دون تهور ويتقيد بشروط السلامة الشخصية والقانون... وفوجئ كوري باتصال من الوزير بارود وعده فيه بحل المشكلة وإصدار قانون يمنح إجازات خاصة للأشخاص الذين يتمتعون بوضع قانوني". ووعد القسيس بتحديث الصفحة، مما يسمح بإيصال الشكوى في شكل أسرع، لافتا إلى "ان كثراً يرسلون شكواهم إلى صفحات أخرى تحمل إسم الوزير بارود ويقولون اننا لا نرد عليهم، لكن هذا ليس صحيحاً فهذه الصفحات غير رسمية، لذلك فتشوا عن الصفحة الأساسية وهي تحمل عنوان"Ziad Baroud Official Page". كذلك أكد ان الغاية هي الإهتمام بقضايا الناس وليس نشر معلومات خاصة بالوزير.
الهدف الأول: التواصل المسؤول
حدد النائب في "تكتل التغيير والإصلاح" ابرهيم كنعان هدفه الأول من استخدام الـ "فايسبوك" بالتواصل مع الناس والتعرف إلى آرائهم وردود فعلهم على الأمور المطروحة. ولمس "نهار الشباب" صدق كنعان في استخدامه هذه الوسيلة لتحقيق "التواصل المسؤول"، إذ حاولنا الوصول إلى مساعدته عبر الهاتف مرارا لكننا فشلنا. فما كان منا إلا اللجوء إلى مراسلته عبر "فايسبوك" كمحاولة، ففوجئنا بأنه أجاب على الرسالة بعد نحو ساعة، وأرسل الينا رقمه الخاص مبديا تعاونا كبيرا. هكذا تمت المقابلة وتبدى لنا بعدها أن الوصول إلى النائب كان سهلاً عبر الشبكة واسرع من الوصول إلى سكرتيرته عبر الهاتف.
استهل كنعان حديثه لافتا إلى أنه لا يملك دائما الوقت الكافي لمتابعة كل ما يرده على الموقع "لذلك كلفت احد الأشخاص في مكتبي متابعة الأمر، لكنني في النهاية اعود وأتصفح كل شيء مساء عندما أنتهي من عملي". ولا يعتبر كنعان استخدام المسؤول لـ"فايسبوك" مضيعة للوقت "فهو وسيلة تواصل، والمسؤول في النهاية ليس من عالم آخر، فما المانع من استخدام هذه الوسيلة، لا سيما أنها تساعده على رفع الكلفة مع الناس والإقتراب منهم أكثر".
كذلك يعتبر أن لـ"فايسبوك" سلبياته "فهو وسيلة شفافة تتناول الحياة الخاصة وعلى من يتعامل بها ان يكون على مستوى من الوعي والمسؤولية". لكن كنعان يكتفي بالإفادة من إيجابيات الموقع "وأهمها التواصل والتعرف إلى آراء الناس في مواضيع إجتماعية وإقتصادية وسياسية عدة... وهذا يضعني على تماس مباشر مع الناس فأفهم طروحاتهم واطلع على آرائهم الخاصة التي يضعونها على الـ status، وأقرأ تعليقاتهم على تصاريحي فأستنتج اذا كانت الرسالة وصلت أم لا، اي انني ألمس نبض الشارع". ولفت إلى ان تهديدات ورسائل مزعجة وصلته عبر "فايسبوك" لكنه تجاهلها "ففي النهاية أنا مسؤول وإن شعرت أنني مهدد آخذ احتياطاتي لكني لا أجيب على هذا النوع من الرسائل". وأشار إلى ان "إيجابية الفايسبوك هي في الشعور الذي يمنحه للمواطن بأن المسؤول قريب منه، من واجبي أن أكون قريبا من المواطن أتعرف إلى مشكلاته ليشعر أنني موجود بقربه وأخفف عنه ما أمكن وفق إمكاناتي".
اليوم الخامس موعد مع المشنوق
معلومة خاصة لكل من يملك مشكلة أو فكرة يرغب في مناقشتها مع النائب نهاد المشنوق، ففي الخامس من كل شهر سيكون حاضرا منذ الخامسة عصراً حتى التاسعة أو العاشرة ليلاً للإجابة عن كل استفساراتك. إنها عادة دأب المشنوق على ممارستها مع لائحة رفاقه على الـ"فايسبوك" منذ مدة، والهدف منها "الإنفتاح والحوار مع أكبر شريحة ممكنة من الناس الذين لا ألتقيهم في حياتي اليومية. رواد الفايسبوك هم أشخاص محددون، أعمارهم صغيرة وطبيعة اهتماماتهم مختلفة، والنقاش معهم هو مزيج من الإنفتاح على الحوار والسعي إلى مناقشة الآراء خارج الإطار التقليدي".
ووفق تقويمه لتجربة النقاش من "النوع الجديد" قال: "بالفعل باتت المواضيع أقرب إلى ذهني لا سيما بعد الـ chat الذي أجريه في الخامس من كل شهر، ألاحظ ان الناس يتشاركون الهموم نفسها... أحاول مساعدتهم بأن أزوّد مثلا الوزير المختص القضية، ولما كنت قد لاحظت ان الكهرباء والماء مثلا هي من أكثر الشكاوى تداولا بين الناس قمت بزيارة وزير الطاقة جبران باسيل وناقشت معه الموضوع". واعتبر ان "كل وسائل الإتصال مهمة، وهذه أحدث وسيلة عمليا، لذلك لا يمكن تجاهلها". وختم بالقول أنه "حتى الآن لم يتعرض لي أحد من المواطنين. قد تكون هناك اختلافات في وجهات النظر السياسية مع بعض الأشخاص لكننا نناقشها معا في شكل عادي... فأنا أستخدم الفايسبوك كنائب وليس بصفة شخصية، ولذلك لا أستخدمه إلا مرة واحدة في الشهر وهو اليوم الذي ألتقي فيه الناس للتحاور".
سامر سعادة والتواصل بسعر مخفوض
تشمل المواضيع التي يناقشها النائب الكتائبي الشاب سامر سعادة مع أصدقائه على الـ"فايسبوك" "السؤال عن الحال والصحة وصولا إلى المواضيع التي تطاول الشأن العام وطلب الخدمات وطرح المشكلات. فالناس يحاولون عبر "فايسبوك" التواصل مع المسؤول إنو بتقول بركي حدا برد علينا". وأكد سعادة لـ "نهار الشباب" ان "التواصل مع الناس هو الهدف رغم ان ضغط العمل لم يعد يسمح له كثيرا، لكن في النهاية الحديث على الإنترنت والـ"فايسبوك" يكون أسهل لأنه يسقط رهبة الخجل لدى المواطن ويجعله أكثر جرأة في طرح آرائه ومشكلاته". الإفادة من الـ"فايسبوك" وفق سعادة كبيرة، فهي تتيح "التواصل للشباب اللبنانيين مع احد المسؤولين في الوطن الأم لساعات طويلة وبسعر مخفوض". كذلك يتسنى لسعادة، إلى جانب معرفة رد فعل الشارع "التواصل مع الشباب من مختلف المناطق اللبنانية والتعرف إليهم. فالفايسبوك أسقط الحدود الجغرافية التي كانت تعوق التعارف والدخول إلى مناطق أخرى. أنا أتواصل حالياً مع شباب مسيحيين من صيدا...". واكمل موضحاً أن "الفايسبوك وسيلة اتصال مهمة، فإن قارناها مع التلفزيون نجد ان الفرد يمكنه أن يقول ما يريد لكنه لا يحصل على رد الفعل عكس الفايسبوك، إذ يمكن التعرف إلى الكثير من الآراء عبر التعليقات والتصريحات والحوار المباشر".
وأكد سعادة أنه يبذل جهده للاجابة على كل رسائله "طبعا قدر المستطاع واقوم بذلك شخصيا احتراما لخصوصيات الأشخاص. في النهاية أنا المعني والمقصود في الرسالة لذلك علي أن اهتم بها شخصيا. وفي ما خص المشكلات والمطالب أحاول ان أساعد قدر المستطاع"، اما بالنسبة الى تبادل الآراء "فلا أتردد أحيانا كثيرة في أن أطلق فكرة معينة إلى العلن إن أقنعني بها أحد المواطنين الذين أناقشهم عبر فايسبوك".
باسكال عازار/نهار الشباب