الهجوم الاسرائيلي وبصماته على القرى المسيحية
03 / 09 / 2006

مادونا سمعان - السفير -2-09-2006   في دبل بقي الأهالي محاصرين لا أحد يذكرهم

هي قصة جديدة، نوع جديد من العذاب والقهر يعيشه اهالي دبل الحدودية منذ يوم السبت الماضي. أكثر من خمسمئة شخص ممن لازموا القرية، عهدوا القصف والصواريخ، ألفوا الأسر داخل غرف بيوتهم الصغيرة وقصص الموت التي تجول في أحياء القرية والقرى المجاورة، تعايشوا قسرا مع كل <حرفة> إسرائيلية خربت بلدتهم ووصل صداها الى الأهل الهاربين في بيروت وبيت شباب

اليوم لدبل قصة جديدة، قصة أسعد جرجي الراعي المقعد، الذي خرج من بيته كعادته عند الحادية عشرة والنصف يوم السبت من دون ان يعود إليه عند الرابعة كعادته. <أسعد اختفى>، هل من خبر؟ يقين وسؤال ألقيا بثقلهما على عائلة الراعي والشقيق إلياس تحديداً <فتشنا القرية، حارة بحارة، بيت ببيت، حجر بحجر... ولا أثر لأخي الا سيارته المركونة قرب حوض السباحة الخاص في آخر البلدة>. لكن أسعد لم يغرق، لم يتعثر ولم يقع...
ظلّ الياس يبحث عن شقيقه في الصباح كما في المساء لحوالى أربعة أيام، ساعة بساعة دقيقة بدقيقة <إتصلنا بالصليب الاحمر الدولي، بفعاليات البلدة وبالمطران شكرالله الحاج، أبلغنا قوى الامن>، ولكن ما من خبر وما من أثر الى ان حلّ يوم الثلاثاء حين أبلغنا المطران خبر وجود أسعد في <إسرائيل>. أسعد لم يدخل يوماً إسرائيل، حتى أيام احتلال لبنان وأيام كان كثيرون من داخل الشريط الحدودي يعملون هناك، كان يرفض ذلك. نحن لا نعلم بعد لماذا هو هناك وهو مقعد منذ عشرين سنة وقد عاد الى البلد منذ حوالى أسبوع بعد إصرارنا عليه بالهرب الى بيروت خلال العدوان الاخير>
تلك الأيام أنست إلياس ما اقترفه الإسرائيليون داخل منزله الذي لم يسكنه الا لمدة خمسة عشر يوما.
في آخر البلدة حيث هو موجود، فجرّ الجنود بابه، أكلوا ورموا بقايا معلباتهم أرضا، كسروا أثاث البيت قطعة بقطعة ونسوا سترة من بذلتهم المكتوب عليها كما المعلبات وقناني المياه بالعبرية. وقد شملت استراحتهم على ما يبدو خططا حربية جسدوها بخرائط وكتابات على جدران المنزل
المنزل هو نموذج عن منازل كثيرة أخرى، طالها التخريب المباشر او بالاحرى الصناعة الحرفية الإسرائيلية. <تخريب المنزل أصعب على صاحبه من إصابته بصاروخ أو شظية، فهم في مختلف المرات يفجرون الأبواب فتتأذى الجدران، ومن ثم يعبثون بالأثاث حتى لا تبقى قطعة منه صالحة للإستعمال>، يلفت روني ناصيف وهو يقودنا الى منزل كمال ناصيف المخرّب أيضا
كل أمر في ذاك البيت يشبه الخراب في بيت إلياس يعلّق أحدهم. فالأثاث كسّر كما الزجاج والفوضى والقذارة تعم المكان، مع فارق بسيط تركه الإسرائيليون <كتذكار> لأهالي البيت عندما يعودون <ثلاث قناني مياه ملأوها بولاً ورفعوها فوق خزانة للتحف
من سلم منزله من وجود الإسرائيليين فيه عانى من عذاب آخر من دون ان يسلم البيت في جميع المرات او الحالات هي حالات أسر جماعي وفي أصغر غرفة ممكنة من المنزل.
<لم نهرب من دبل>، قال جريس سعيد، بقينا في بيتنا طول فترة العدوان نحاول الإستقواء على الموت المحيط بنا. ذات يوم استيقظت كعادتي الساعة الرابعة فجرا، تمشيت في المنزل، وكان عدد من الأقارب عندنا. فجأة لاحظت ان ضوءا صوّب على شاحنتي الجرارة، ثم رأيت رجلا يحمل مطرقة كبيرة يتجه صوب الباب لكسره. صرخت بوجهه، كان ضابطا ومعه مترجم. سألني كيف بعدكم هون، قيل على <ال.بي.سي> ان اهالي دبل أخلوا المنطقة. لا اعرف إن سمعوا الخبر فعلا ام لا. ثم صرخ <جميعكم خارجا>... إستيقظ كل من في المنزل حتى الاطفال، إقتادونا الى المطبخ وسجنونا هناك من الساعة الرابعة والنصف فجراً حتى التاسعة والنصف مساء. منعنا عن الكلام والطعام... حتى أنه كلما أتى أحد أبناء القرية لشراء الحليب منا كانوا يستبقونه ويسجنونه معنا، واضعين حارسين علينا
تعلو بيوت دبل رايات بيضاء <علامة أننا مدنيين ومسالمين>. أبناء دبل مدنيون ومسالمون لكنهم لم يعرفوا من السلم شيئا في تلك الحرب < بقينا محاصرين لا أحد يذكرنا، حتى ان الجمعيات الخيرية لم تطل بعد. قالوا بعد الحرب. انتهت الحرب ولم يأت أحد. حتى انكم اول وسيلة إعلامية تطل على البلدة
أهالي دبل اليوم لا ينتظرون إعاشات ومساعدات عينية بقدر ما ينتظرون من يكشف على بلدتهم ويقدر الأثمان التي دفعوها دماراً وخراباً. يتركنا روني ويعود الى بيته، هناك حيث دخل صاروخ من الباب الرئيسي، أحدث ثقباً في الجدار الذي يفصل الصالون عن غرفة النوم واستقر الى جانب السرير. هناك يرقد الصاروخ غير منفجر بعد، وتحته في منزل سفلي يسكن حاليا روني وعائلته الى حين يأتي من يكشف على الصاروخ <بلغنا الجيش على أساس انهم سيأتون قريبا ولكن حتى الآن لم يتم الكشف بعد. أتى أشخاص من مجلس الجنوب سجلوا الأضرار على أوراق عادية غير رسمية ثم أتى شباب من التيار الوطني الحرّ تفقدوا الأضرار وسجلوها>، يؤكد روني
صواريخ العدو طالت أيضا كنيسة مار جرجس التي تتوسط البلدة وقد أحدثت أضرارا فيها وفي الدير والمدرسة المحاذيين لها
لكن فظاعة الاعمال الإسرائيلية في دبل إرتدت عليهم، ففي مكان بعيد عن المنازل كتب على جدران ما يشبه المرآب <محرقة ومقبرة اليهود>. يروي أحد الاهالي ان <الاسرائيليين لجأوا الى المكان وعرف بهم شباب الحزب فضربوهم بصاروخ وقتلوا إثني عشر جندياً، انفجر بهم الصاروخ كما الأسلحة التي يحملونها>. لم يبق من أثر الجنود الا درع ممزق، <ما من أثر ليد او ساق؟>، يسأل أحدهم <عفواً بس جئتم في آخر الموسم> يجيب آخر ضاحكاً
عين إبل
لعين إبل وجه مختلف عن جارتها دبل. فالبلدة تعيش حداداً مؤلماً، بعدما شوه العدوان الإسرائيلي عدداً كبير من منازلها بصواريخه. نسبة الدمار تفوق تلك التي أصابت دبل، لكن البلدة على عكس الأخيرة تبدو خالية من السكان. صمت مطبق وصور دمار ترافق الزائر بين حيّ وآخر، وما من يتحدث عن آلام يبدو أن عين إبل عانت منها بقوة. وحده العمّ جرجي الحصروني كان يتفقد منزله <ماذا نفعل الآن، استهدفوا المنزل بصاروخ وهو متصدع وغير قابل للسكن. البلدة عانت كثيرا وجزء منها مشوّه بالكامل. جميعنا هربنا ولا نعرف متى العودة طالما انه لم يأت أحد لتفقد الأضرار بعد وطالما ان الجيش اللبناني لم ينتشر هنا بعد

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالي >