تحقيق: مصر: تناقض بين الإعلام الرسمي والخاص في تغطية حادثة الدويقة
17 / 09 / 2008

تقسيم جديد للصحف والإعلام في مصر على لسان الشرطة المصرية: "الأعداء مقابل الأصدقاء". اقلّه هذا ما أعلنه ضباط الأمن عند منعهم وسائل الإعلام غير الحكومية الدخول لمتابعة حادث الانهيار الصخري بمنطقة الدويقة بالقاهرة في الـ 7 من أيلول. ويقدر الأهالي وجود مئات دفنوا تحت الأنقاض. أميرة الطحاوي واكبت تغطية وسائل الإعلام. وكل ما لم يقال.

في اليوم التالي للحادث اشتركت الصحف الرسمية في وصفها للحادثة بـ"كارثة انسانية" فيما وصفتها المصري اليوم والبديل المستقلتان بـ"سقوط المقطم على أهالي الدويقة".
 وتوصف هضبة المقطم بالجبل لضخامتها، وتشمل مناطق مترامية بين العشوائية (وضمنها حي الدويقة) والراقية.

و خرجت صحيفة "الأخبار" الرسمية بصورة لمنازل قالت أنها مخصصة منذ فترة لأهالي المنطقة لكنهم لم يتقدموا لاستلامها، فيما احتوى نفس العدد من الجريدة على تصريحات لمسئولين حكوميين بأنهم "لا زالوا" يبحثون إعداد أماكن لإيواء الذين فقدوا منازلهم، وليس لكل سكان المنطقة.

وفي كلمتها الافتتاحية، قالت الأهرام كبرى الصحف الرسمية أن الأهالي يتحملون جزء من مسئوليتهم عن الحادث كونهم يعلمون أن المنطقة عرضة لمثل هذا الانهيار.
وعلق محرر البديل المستقلة على قول الحكومة أنها حذرت الناس من الاستمرار في سكن الدويقة.
" لماذا لم تسأل الحكومة نفسها: لماذا لم يصغ إليها“، مشيرا لافتقاد المواطنين الثقة في تصريحات الحكومة ناهيك عن تنفيذ الحكومة عمليا لهذه التصريحات.

وفي اليوم التالي استخدمت بعض الصحف لفظة "شهداء" لوصف ضحايا الحادث. 
وكان  مفتي مصر، الشيخ علي جمعة، اعتبر ردا على سؤال أنهم "يحتسبون شهداء"
ونقلت يومية الدستور عن خبراء ترجيحهم أن يكون مشروع إعمار (للاسكان الفاخر بالمقطم) وراء انهيار الصخور علي أهالي الدويقة.

وأشارت صحف (حكومية كالجمهورية ومعارضة كالوفد) لكونها حذرت من الكارثة بما نشرته قبل أسابيع أو سنوات.
 ونشرت "البديل" ملفا عن تاريخ المنطقة وسكن بعض أيناء الأقاليم النازحين بها منذ عقود بسبب ارتفاع أسعار العقارات داخل العاصمة.

وفيما اهتمت الصحف الحكومية بتصريح لبرلماني حكومي هو زكريا عزمي عن تم تخصيص 4 آلاف وحدة للمضارين، لكنها تجاهلت تقريباً تصريحات نائب الدائرة نفسها حيدر بغدادي- عن الحزب الحاكم أيضاً-  الذي حمل على أداء الجهات التنفيذية.
وتعرف الوحدات البديلة ضمن مشروع باسم (مساكن سوزان مبارك- قرينة الرئيس) والتي استنجد بها كثير من نساء المنطقة في حواراتهم مع الفضائيات والوكالات الأجنبية في اليوم الأول للكارثة.

وعادت الصحف الحكومية لتقول أن عدد هذه الوحدات 6 آلاف وحدة، لكن مواطنين قالوا لبرنامج القاهرة اليوم على شبكة اوربت أن الموظفين المسؤولين عن تسجيل أهالي المنطقة المنوط بهم الحصول على هذه الشقق يتلقون رشاوى كبيرة ويحصل بعضهم على عدد من هذه الوحدات لنفسه.
ويتم بيع بعضها ب70 الف جنيها (الدولا رنحو 5.25 جنيها ) مصريا وتؤجر ب400ـ جنيه شهريا.

وفي حلقة تالية، كررمذيع الشبكة قوله أن العديد من رجال الأعمال والفنادق تبرعوا لأهالي الدويقة بالاغطية والطعام، وأن وجود أغنياء في مكان الحادث للمساعدة يثبت أن "مصر بخير..ولا فارق بين طبقة وأخرى".
وقال البرنامج أن هناك خمسمائة شقة مفروشة كتبرع لكن الجهات التنفيذية ترفض اعطاء أسماء المتضريين وتصر على توزيعها بنفسها وهو ما رفضه المتبرعون المفترضون.

مبارك والتصريحات
بعد يومين من الحادث كانت تصريحات الرئيس مبارك حول ايواء عاجل للضحايا عنوانا بارزا في التلفزيون المصري والجرائد الرسمية.
وقد شدد على ضرورة حل مشكلة العشوائيات في مصر ككل.
هذا ما اتى في الإعلام الحكومي خلال تغطيته لليوم الثاني.
وانفردت الجمهورية ثالث الصحف الرسمية بعنوان يلخص فهمها لتصريحات الرئيس "مبارك يأمر بإنهاء العشوئيات"! هكذا ؟ دفعة واحدة؟

ونسبت لمحافظ القاهرة وعده بتسكين المضارين خلال 3 أيام، هي المدة التي سيتم توصيل المياه والكهرباء فيها للمساكن.
لكن حتي الخميس الماضي، لم تنقل الصحف سوى بشرى سارة بتسليم أول 31 شقة فقط للمضارين.
واقتصرت تغطية الصحف الرسمية على مشاهد قليلة لمصابين يتلقون العلاج أو صور غالبها مصورة من مسافة لخيم منصوبة بينما واصلت الصحف الخاصة متابعتها لبطء عمليات رفع الأنقاض أو حوارت مع خبراء في أسباب الحادثة وان كان يمكن تكرارها بالإضافة لمزيد من صور وحوارات مع أهالي الضحايا والمنطقة.

وثبت عدد المصابين المحولين لمستشفى عام عند العدد 17 لأنه ببساطة لم يعثر على أحياء تحت الأنقاض التي لم يرفع سوي القليل منها حتى اليوم الثالث، وهو أكثر ما كررته تغطيات الوكالات الاجنبية.
بينما أبرزت صحيفة " المساء" الحكومية العثور على طفل في الثالثة حيا وخروج 29 مصابا من المستشفيات بعد علاجهم.
لكنها تجاهلت قول الأهالي  أن المئات لا زالوا تحت الأنقاض وبعضهم استطاع الصراخ أو استعمال هاتفا نقالا طلبا للنجدة.
واستمر الحادث محور الصفحة الأولى بمعظم الصحف اليومية.
واشتركت الصحف الرسمية في الإحالة للحكومة أو محافظ القاهرة عند الحديث عن توفير مساكن بديلة خلال 3 أيام.

الاعلانات أهم من الضحايا
وفي التلفزيون المصري اتهم عضو مجلس شعب الحكومة بالتقصير قبل أن يعود للثناء عليها بعد مداخلة هاتفية من نائب للمحافظ.
بدورها قالت رئيسة التلفزيون سوزان حسن، والتي غطت لسنوات كمذيعة نشاطات سوزان مبارك في مجالي الطفولة والصحة، أنه لم يكن ممكنا قطع الإرسال التلفزيوني لبث أخبار الحادث معتبرة أن قناة النيل للأخبار هي المنوطة بالتغطية بحكم اختصاصها "مش لازم نقطع الإرسال وننكد ع الناس لمجرد تقديم خدمة إخبارية، وكمان ما كنش فيه جديد علي مدار اليوم يستدعي قطع الإرسال، ومش معني إن فيه حادثة في مكان يبقي البلد كله يعيش في الواقعة من خلال القناتين الأولى والثانية".

ونقلت المصري اليوم عن عدد من المسؤولين فيالتليفزيون(لم تسمهم) إشارتهم  لحجم الخسارة التي يمكن أن تلحق بالقناة الأولى و الثانية إذا تم قطع الإعلانات و المسلسلات لإذاعة مثل هذا الخبر .

فيما أكدت هالة حشيش رئيسة قناة النيل للأخبار بأنها أول من أذاعت الخبر على الهواء فى التاسعة صباحاً ، وهو ما أشاد به وزير الإعلام في معرض حديثه عن التغطية الإعلامية للحادث.
واتهمت حشيش قنوات غير مصرية بالمبالغة في عدد الضحايا، مضيفة "لو كان فيه حاجة جديدة أو مستاهلة كان قطاع الأخبار قطع الإرسال لوحده".

وفي اليوم الأول كانت تغطية قناة الجزيرة من موقع الحدث هي الأكثر تداولا بين المتابعين عبر شبكة الانترنت. ونشر مدونون صورا وشهادات لأهالي المنطقة ودعا ناشطون في منتديات دينية وعبر شبكة الفايس بوك للتبرع.
وطالب البعض بإقالة محافظ القاهرة.

وفي اليوم الثاني للحادثة منعت المحطات التلفزيونية من التصوير في مكان الحادث أو مخيمات الإيواء.
وبالمقابل كان يمكن أن تلحظ أهالي المنطقة يرشدون مصورا أو صحافيا لمكان بوسعه التصوير أو التسجيل فيه.
وتبادلت محافظة القاهرة وأجهزة الأمن الاتهامات بالمسؤولية عن منع وسائل الإعلام غير الحكومية من الدخول للمنطقة.

الصحف الأعداء والصحف الصديقة!
دعا مركز حقوقي لوقفة بالشموع ( مساء الاثنين المنصرم ) لم تتم إذ لم يحضر سوى بضعة أفراد.
وقد حاصر الأمن الصحفيين الذين أتوا لتغطيتها.

اما عن الثلاثاء، كانت تعليمات الأمن صارمة بعدم دخول وسائل الإعلام والصحفيين، إلا بعد الحصول على إذن مسبق لتأمين موكب نواب مجلس الشعب.
ومع بدء تصوير هؤلاء قام عدد من شباب منطقة الدويقة  بإلقاء الحجارة وعلا صريخ بعض النساء وصوت النقر على الأواني..
لكن المشهد رغم ذلك لم يبث.
وبث زيارة قام بها مساء اليوم نفسه نجل الرئيس للجرحى والمضارين في مخيمات الايواء.

وفي اليوم التالي ووجدت معظم تفاصيل الاعتداءات مكانها علي صفحات الجرائد غير الحكومية فيما نقلت نفس الأخبار بلهجة أخف في الصحف الحكومية بأنها "غضب" من مواطنين فقدوا ذويهم.
ونقلت نفس الصحف الحكومية باهتمام اعتذار قرينة الرئيس عن حفل لتكريمها لمتابعة الحادث وفي اليوم التالي نشرت الجمهورية بعنوان ضخم تعهد زوجة الرئيس بتبني المضارين بالحادث.
ووصف صحافيون من "البديل" محاولاتهم وزملاءهم المصورون لساعات دخول المنطقة دون جدوى فاضطرت صحافيتان لارتداء ملابس شعبية واخفاء كاميرات التصوير في "سلة للخضار"لدخول المنطقة.

ومنع فؤاد الجرنوسي، مصور «المصري اليوم» من الدخول للمنطقة وتلقى تهديدا من رجال الأمن  باستدعاء المخبرين بغية " تأديبه /أي ضربه" وقال له أحد الضباط  أنه في «قرف» منذ الأمس.
وقالت الصحيفة أيضا أن أحد الضباط أخبر مندوبتها بأنه "ممنوع دخول صحف «الأعداء» ومسموح فقط بدخول «الصحف الحكومية»  كما منع دخول نسخ الصحف غير الحكومية للمنطقة.

آخر المستجدات على الأرض
أورد مراسل صحيفة الاخبار الأخبار ان الرئيس المصري حسني مبارك اصرّ " على الهروب من مشهد الانهيار الصخري في الدويقة، الذي حصد 82 جثة حتى الآن، فيما لا تزال عشرات الجثث الأخرى تحت الأنقاض. وبدلاً من زيارة المنطقة التي شهدت الكارثة، اكتفى بافتتاح عدد من المشروعات التنموية والخدماتية في محافظة الدقهلية في دلتا مصر".

وقال موقع قناة الجزيرة السبت 13 ايلول أن "حقوقيون أدانوا منع السلطات المصرية وسائل الإعلام المستقلة والحقوقيين من دخول حي الدويقة الذي شهد كارثة انهيار أجزاء من جبل المقطم فوق منازل الحي العشوائي، وسط تأكيدات أهالي الضحايا بتوقف أعمال الإنقاذ وانتشال الجثث".

واعتبرت الجمعية النسائية لحقوق الإنسان في بيان أن منع وسائل الإعلام المستقلة، ومن قبل ذلك منع الحقوقيين والبرلمانيين من دخول المنطقة، "يعطي شعورا قويا بأن حقائق وشواهد مهمة سوف تدفن مع جثث الضحايا".

وكتب وائل عبد الفتاح، مراسل صحيفة "الاخبار" اللبنانية اليوم  "لا أحد يعرف العدد الحقيقي لضحايا سقوط صخرة المقطّم على إحدى عشوائيات الدويقة.
الرقم سرّ لأنّ الضحايا خارج تعداد الإحصاء الرسمي.
يؤكّد الأهالي أن عدد المدفونين تحت الصخور هو ما بين 500 و600، ويطالبون الحكومة بالبحث عنهم واستخراج جثثهم.
أما الحكومة، فقد حوّلت المنطقة إلى ثكنة عسكرية وهي تقترب من قرار إعلان المنطقة مقبرة جماعية، وبذلك، سيكون هذا القرار هو الأول من نوعه في تاريخ مصر الحديثة.
اللافت أنّ الحكومة تختار بين الأهالي من يصلحون كـ«ضحايا للتصوير» أمام الكاميرات التي تعلن تسليم وحدات سكنية للمتضررين".

أميرة الطحاوي- القاهرة- موقع منصات 16.09.2008
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالي >