المتتبّع للأحداث والمراقب الفطن، يدرك بسهولة الشرخ القائم بين المجموعات اللبنانيّة. نعم، هناك عند السطح حوارات قائمة منذ زمن، لكنّها لم تبلغ بعد عتبة النضج والقناعة الثابتة بأنّ الحياة الوطنيّة ليست مجرّد حوارات بين مجموعات، وإنّما فعل إرادي يتجاوز الخلافات والتناقضات للوصول إلى أرضيّة مشتركة يستطيع الجميع من خلالها العيش معًا. ما نراه ونسمعه كلّ يوم عود على بدء، فإذا حصل خلاف مثلاً حول “العفو العام”، فالنقاش لا يدور بشكل علمي أو قانوني، إنّما يذهب باتّجاهات ذاتيّة يسترجع فيها كلّ واحد تاريخه وعصبيّاته، ليؤكّد أنّه ما زال هنا، وأنّ النقاش ليس سوى شمّاعة يريد البعض منها فتح الجروح وتسجيل نقاط طائفيّة ومذهبيّة، وتحريك العصبيّات وشدّ الركب.
1-كلّ شيء يذهب باتّجاه الطائفيّة
لا مجال لنقاش وطني هادئ، كلّ شيء يذهب باتّجاه العصبيّات وكأنّ المجموعات لا يعنيها إلاّ مصالحها، وأنّها ليست ثابتة على مبادئ المواطنة والعيش الإنساني، وهذه الأخيرة تبدو أنّها كليشهات لا معنى لها في الواقع الشعبي الذي يتحرّك بغير وعي وإرادة، لأنّه لم يبلغ بعد حدّ الرشد والنضج.
الفئات الشعبيّة لا زالت رعايا يسوقها زعماء الطوائف ورجال السياسة إلى حتفها، إضافةً إلى زيادة منسوب ارتباطها بالحسّ الديني الخارجي، وكلّ ذلك على حساب هويّة وطنيّة بدأت بالتلاشي والضياع.
2-هل الوطن اللبناني أكذوبة كبيرة؟
يقول البعض إنّ الوطن اللبناني أكذوبة كبيرة، ولأنّه أكذوبة، نهج حكّامه نهج قطّاع الطرق وداسوا كلّ قانون وشريعة، وهم يدركون أنّهم بمأمن عن كلّ محاسبة ومساءلة مهما بلغت سيّئاتهم، فلهم كثرة شعبيّة غبيّة تدافع عن مصالحهم وكراماتهم وتنسى مصالحها وكرامتها، لتبقى على الدوام الوقود والضحايا على مذبح الزعماء وتتكرّر الفواجع، وتزداد الالام والأوجاع، لكنّ القابضين على السلطة يعرفون جيّدًا حدود اللعبة ومصالح بعضهم البعض، كما يدركون جيّدًا أنّ سقوط الهيكل ضرر كبير عليهم وعلى المحيطين بهم، لذلك عندهم من الحكمة ما يكفي لإيجاد مخارج حتّى في أصعب الظروف وأقساها.
3-رجال السياسة بضاعة يسوّقها الخارج
لن تستقيم الأمور في بلادي، ولن نشهد على قيامة دولة ووطن، طالما أنّ الرسن قائم على رقاب العامّة، يُساقون إلى حتفهم وهم يضحكون ويصرخون “ليعيش الزعيم”. زعماء السياسة والطائفيّة يأتون دائمًا وأبدًا بما هو أدنى منهم مرتبةً ويحيطون أنفسهم بالكَذَبة والأغبياء والسماسرة، وهذا عمل مدروس بإتقان.
كان الله بعون الطيّبين في بلادي، وهم من كلّ الطوائف والأعراق والأجناس، وهم الخميرة التي تخفّف عبء المأساة الوجوديّة، وتبقي الضوء في نفق هذه البلاد الحزينة، ليشكّل بصيص أمل للأجيال المقبلة.
الخوري اسكندر الهاشم


الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة- لبنان اوسيب – لبنان