الأعجوبة علامة للمؤمن
المؤمن يرى في الأعجوبة علامة يقدّمها الله إليه، معترفًا أنّها لا تتمّ انطلاقًا من حالة معزولة، لأنّها ترتبط بوقائع أخرى، خاصّة بالكلمة التي تتفتّح على المعنى، فيُفرَد مكان للصلاة أوّلاً، وفي هذا الإطار تأخذ الشفاءات معناها، وعجائب يسوع مرتبطة دائمًا بتعليمه.
لنأخذ أعجوبة العنصرة، فبعد حلول الروح القدس على التلاميذ بدأوا ينطقون بلغات كثيرة، فدهشت الجموع وطرحت أسئلة من مثل ماذا يحصل؟ كان جواب الحاضرين ممّن لم يلمسهم الروح “بأنّهم سكارى”. أمّا المؤمنون فإجابتهم من لمس الروح القدس الذي غمر بفيضه أناسًا وثنيّين. هذه الحادثة الكتابيّة تضعنا أمام مستويات ثلاثة:
المستوى الأوّل، كل ّشيء يبدأ بسؤال، أنا قابع في عالم فكري بنيته منذ زمن، تلازمني رؤية شاملة عن العالم تسمح لي بالعيش، وكلّ أمر لا يتطابق مع قناعاتي ووضعي يضع المخالفة تحت المجهر، ويستحدث في ذاتي السؤال: باسم من تحدث الأعاجيب؟
هذا المستوى يقودني إلى مرحلة ثانية تجعلني كمؤمن أجيب عن هذا السؤال بأنّ الأعجوبة “صنع يسوع”.
أمّا المستوى الثالث، فجواب أعطيه من أعماق كياني فيضيف رؤية جديدة إلى العالم الذي أعرفه. إذاك أنا أمام أمرين لا ثالث لهما: إمّا أن أقبل تفسير الإيمان الذي غمرني وأعاد الإعتبار لمكتسبات عقلي، وإمّا أن أرفضه وأبقى حيث أنا. وإن لم تكن الأعاجيب تأكيدات فماذا تكون إذًا؟ ربّما أراد يسوع أن يكشف رحمته، فهل إحجامه عن شفاء المرضى الآخرين انتفاءٌ لرحمته؟
الأعجوبة إقرار برحمة الله
في العهد الجديد يذكّر الرسل اليهود الذين قسّوا قلوبهم بتوبة أهل نينوى وبيونان النبي، وبأنّ المسيح أكبر من يونان، لكنّ المعنى العميق أبعد من هذه العلامات. وهذه الأخيرة لا تشهر إلاّ لردع جيل فاسد فاجر. فأيّ الأدوار تؤدّي؟
إنّ جيلاً فاجرًا يغرق في الخطيئة، لا يقرّ بالعلامات والآيات، وأمّا الجيل الطيّب والوديع والتقي، فهو ليس في حاجة إلى مثل هذه الأعاجيب والأنواع الأخرى من المعجزات. المعجزة الكبرى إبّان الخروج هربًا من مصر ليست اجتياز البحر الأحمر، بل الخروج من العبوديّة إلى الحرّيّة، لأنّ الحرّ وحده يعمل على تحرير إخوته العبيد من سلطة الخطيئة والموت. العلامة إذًا لا تبعدنا عن الواقع بل تجعلنا نحيا ونعيش مواعيد الله لنا، وهي مسؤوليّة إضافيّة لتحسين علاقتنا بالله وبالقريب، وهي أيضًا تذكّرنا بالإرث أي بالأرض الموعودة ليكتمل العدل عليها، وحيث لا وجع ولا حزن ولا ضيق بل سلام دائم.
الخوري اسكندر الهاشم


الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة- لبنان اوسيب – لبنان