شريط الأحداث
أختر اللغة
الرئيسية | مقالات | الدولة هي القاسم المشترك الباقي للطوائف والمذاهب والقبائل
الدولة هي القاسم المشترك الباقي <strong>للطوائف والمذاهب والقبائل</strong>

الدولة هي القاسم المشترك الباقي للطوائف والمذاهب والقبائل

“الأرض الزائلة” هوعنوان فيلم للمخرج السينمائي Georges Ovashvili يتكلّم فيه عن نهر Inguri الذي يمرّ بمحاذاة الحدود الشماليّة لدولة جورجيا. يتكلّم الفيلم عن جزيرة صغيرة تظهر كلّ سنة وسط هذا النهر فيتهافت إليها جدّ وحفيده لزراعتها بحبوب الذرة، نظرًا لخصوبة أرضها المتأتّية من الطمي الذي يجرفه النهر إليها. هذان الرجلان ينتظران بصبر الحصاد الوفير، غير أنّ حساب الحقل ليس كحساب البيدر، لأنّ عاصفة هوجاء هبّت على النهر فغمرت المياه الجزيرة وما عليها من محاصيل. هذه الأرض الزائلة تشكّل رمزًا لوطننا اللبناني الذي تتتابع فيه الأحداث وتتكرّر، لتحمل معها كلّ مرّة دمارًا وحزنًا لا يوقفه أحد.

هذا الإنتحار الإرادي الذي يرتدي وجوهًا متعدّدة، يشكّل أحد اخطر مظاهر الإجتماع اللبناني.

اللبنانيّون البسطاء يعدون أنفسهم بمواسم خير وبحبوحة، وإذ يصطدمون بالسياسات العبثيّة القائمة على الإنتحار والتي لا مردود لها سوى الخراب والموت والتهجير.

هذه العبثيّة القاتلة يجب أن تشكّل محطّة تأمّل يطرح الجميع فيها أسئلة وجوديّة من أجل بلورة اجتماع لبناني جديد لا يقوم على على الكذب والخداع، بل على الحقيقة والصدق، وينبع من الواقع المعيوش ومن الحقيقة السوسيولوجيّة. بصراحة كلّيّة، الجماعات اللبنانيّة لا رابط بينها سوى الدولة العادلة التي تؤمّن للجميع الحماية والبحبوحة والأمان. دولة تعمّم ثقافة إنسانيّة راقية تساعد على خلق أجيال متضامنة متعاونة، تتجاوز فيها الذاتيّة الطائفيّة والمذهبيّة، لتعيد بذلك صياغة الإجتماع الوطني. دولة تعزّز النزاهة والشفافيّة والعدالة، وهذا الأمر متعذّر حدوثه لألف سبب وسبب، أهمّها تلوّث النخب الحاكمة التي تدير شؤون الدولة منذ تأسيسها. تتعاون في ما بينها وتزرع الشقاق بين العامّة لتبقى هي بعيدة عن المحاسبة والمساءلة، تثير الفتن والإنقسام، تتلقّى الأحداث ولا تصنعها.

السمك الكبير يأكل الصغير، بهذا المعنى نستطيع القول إنّ هناك بعدًا شاسعًا عن القيم الإنسانيّة يعزّز المضيّ قدمًا في النفاق والسرقة وإقصاء الناس عن المشاركة في قيام دولة عصريّة. نفاق يشارك فيه أصحاب المصالح الدنيويّة والدينيّة، وهذا ما يؤدّي إلى غياب تامّ للقيم الأخلاقيّة التي تؤسّس لقيام أرضيّة صالحة يُبنى عليها ويُؤمل بإرسائها، لذلك المستقبل اللبناني قاتم، والدولة التي ينتظرها الطيّبون حلم بعيد، بل وهم وسراب.

الخوري اسكندر الهاشم

عن ucip_Admin