أختر اللغة
الرئيسية | أخبار الكنيسة | الكنيسة في لبنان | الأعجوبة في المسيحيّة: معنًى وحدًّا
<strong>الأعجوبة في المسيحيّة: معنًى وحدًّا</strong>

الأعجوبة في المسيحيّة: معنًى وحدًّا

من يمعن النظر ويرى الأشياء في عريها، فيرى التحوّلات المدهشة في الطبيعة والإنسان، لا بدّ أن يقول: كلّ شيء أعجوبة، لأنّ كلّ شيء غارق في السرّ وفي اللامحدود، بدءًا من الحبّة النازلة إلى عمق التراب ثمّ الطالعة من هذا العمق مشروع شجرة، وانتهاءً بالنطفة المزروعة في جسد المرأة بدافع الحبّ لتولد بعد أشهر طفلاً على صورة الله ومثاله.

إلهنا مدهش وصانع كلّ شيء عظيم

إنّ إلهنا هو إله مدهش وصانع كلّ شيء عظيم. أن تؤمن بأنّ المسيح هو الله وهو إنسان، وأن تؤمن بالقيامة وبأنّ قدرة الله تدخل إلى الأعماق فتحوّل الحياة وتصنعها من جديد، يعني أنّك مؤمن بأنّ الخلق يعكس قدرة الخالق وروعة جماله. هذه هي بداية التجلّيات ولبّ الأعجوبة وجوهرها.

ألم يخرج الوحي من الكتاب المقدّس عن مألوف نظرة الشعوب والأديان ليعطي تفسيرًا جديدًا بعيدًا كلّ البعد عن تصوّر الميثولوجيا، ويؤكّد حضور الله المطلق في الخلق، وأنّه هو صانع الأرض والسماء؟ وإذا كانت هذه الشعوب العتيقة ودياناتها تؤكّد على أنّ التاريخ هو نتيجة صراع بين الآلهة والقوى الأخرى، فإنّ الكتاب المقدّس يعلن أنّ الله هو من يقود التاريخ إلى غاياته، وقد تجسّد ابنه الوحيد ليكشف حقيقة الإنسان والتاريخ والخلق، وهذا هو الكشف الأكثر جمالاً ورقيًّا، أي هو الأعجوبة الكبرى.

إنطلاقًا من هذه النظرة العميقة إلى الكون، نستطيع فهم موقع الأعجوبة في الكتاب المقدّس. فما تعرفه النفس البشريّة وما تدركه عن الله من أنّه هو الخالق، شكّل انطلاقة الإيمان، وراح باتّجاه ترسيخ هذه العلاقة الأنطولوجيّة بين الله والإنسان والكون. إذًا لا الأعجوبة ولا الميثولوجيا هما أساس الإيمان بل الخلق، وهذا التقدّم بل هذا الكشف الرائع، أسّس لولادة القيم والأخلاق لأنّه وضع الله في المقدّمة. أن تؤمن بالخلق يعني قبل كلّ شيء أن تعترف بمعنى وجودك، فالخلق هو مؤسّس الأخلاق.

أعجوبة القيامة

إنّ إيماننا لا يقوم ولا يستند إلى الأعاجيب، لأنّه دخول في عالم المسيح وتلمذة على يده. فقيامته أساس إيماننا، وهي ليست بأعجوبة. إنّها سرّ يعرف الإيمان أبعاده، فحين نؤمن إيمانًا راسخًا بأنّ الله أقام مسيحه في صباح يوم الأحد، يؤكّد لنا هذا الإيمان أنّ الله قادر على التدخّل في حياتنا، وأنّ القيامة تضعنا أمام كشف جديد ليس بمقدور العقل البشري أن يصل إلى حدّه.

الأعجوبة عند العلم والإيمان

لا أعجوبة في نظر العلم. فدور هذا أن يشرح العالم والشياء، ويوجد الأسباب وصولاً إلى نتائج مخبريّة، وقانون عام تخضع له الطبيعة. وإذا لم يجد العلم أسبابًا أو تفسيرات فإنّه يعلن جهله، لكنّه يستمرّ في بحثه، من دون أن يعني ذلك أنّ الأعجوبة في وجهها الملموس حالة مكتملة خارجيّة أو مواجهة للقوانين الطبيعيّة.

أمّا بالنسبة إلى الإيمان، فالأعجوبة فوق هذه القوانين، ليس بمعنى معارضتها أو البقاء غريبة عنها، بل بمعنى أنّه يستعملها ويرتكز عليها.

فالشفاء الفائق الطبيعة ظاهرة طبيعيّة لكنّ سرعته لا تفسّرها القواعد العاديّة. الأعجوبة لا تخلق شيئًا جديدًا، فهي تتجاوز قوى الطبيعة من دون أن تهتك أو تغتصب قوانينها. الحتميّات تبقى، غير أنّها توظَّف بآليّات أكثر تحرّرًا.

(يتبع جزء ثانٍ)

الخوري اسكندر الهاشم

عن ucip_Admin